الدرس السابع
صفات الله وأفعاله
الحمد والصلاة والسلام على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وبعد:
لا نزال في تقرير أسماء الله وصفاته وأفعاله، وبيان القواعد والأمثلة لذلك، ثم سنعرج -إن شاء الله- في بداية هذا الدرس على الحجج العقلية الشرعية التي يحتج بها السلف على أهل البدع فيما أحدثوه من الكلام في ذات الله و أسمائه وصفاته وأفعاله، وأن ذلك من أعظم البدع وأشنعها، كما سيأتي في الحوار القادم من أحد السلف لبعض أئمة الأهواء والبدع والافتراق، ثم بعد ذلك سنستعرض من خلال كلام المؤلف ابن قدامة -رحمه الله- مجموعة من الأمثلة في أسماء الله وصفاته، فليبدأ الأخ الكريم بقراءة المقطع الأول.
قال المؤلف -رحمه الله تعالى-: (وقال محمد بن عبد الرحمن الأدرمي لرجل تكلم ببدعة ودعا الناس إليها: هل علمها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي أو لم يعلموها؟
قال: لم يعلموها.
قال: فشيء لم يعلمه هؤلاء علمته أنت؟
قال الرجل: فإني أقول: قد علموها.
قال: فبوسعهم أن لا يتكلموا بها ولا يدعوا الناس إليها؟ أم لم يسعهم؟
قال: بلى وسعهم.
قال: فشيء وسع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وخلفاؤه لا يسعك أنت؟ فانقطع الرجل، فقال الخليفة: وكان حاضرًا: لا وسع الله على من لم يسعه ما لم يسعهم.
وهكذا من لم يسعه ما وسع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه والتابعين له بإحسان والأئمة من بعدهم والراسخين في العلم من تلاوة آيات الصفات وقراءة أخبارها وإمرارها كما جاءت فلا وسع الله عليه).
أحسنت.
هذه المناظرة في الحقيقة تعد أنموذجاً من مناظرات طويلة وكثيرة لأئمة السلف في دفاعهم عن العقيدة، وهذا الإمام محمد بن عبد الرحمن الأدرمي، ولعله الأصح أنه الآذرمي بالذال وهو المشهور، جاء في وقت كان الصراع بين أهل الحق أهل السنة والجماعة وبين أهل البدع خاصة أهل التأويلات الباطلة من الجهمية والمعتزلة ومن سلك سبيلهم كان في ذروته؛ ولهذا كان السلف كانوا يتورعون عن الجدل لغير الضرورة، وعن المراء، وعن الخوض فيما نهى الله عن الخوض فيه، وبما في ذلك الغيبيات، لكنهم حينما تنتهك حرمات الدين، وحينما يجرؤ الناس على أسماء الله وصفاته، وعلى ثوابت الدين ومسلماته وعلى القدر ونحو ذلك، فإنهم لا يتوقفون عن الدفاع عن الحق بأرقى الأساليب العلمية والنقاش الموضوعي والعقلي الذي يرقى إلى أعلى درجات الذكاء والفهم والعمق.
هذا المقطع أنموذج لحوار السلف مع المخالفين، فذكر ابن قدامة -رحمه الله- قال: (أن الأدرمي قال لرجل تكلم ببدعة) يقصد بذلك أحد أئمة المؤولة "الجهمية ومن سلك سبيلهم" تكلموا ببدعة تتعلق بأسماء الله وصفاته وذاته، وهذه البدعة بدعة التأويل والتعطيل، التأويل والإنكار للصفات، هذا هو الراجح، ثم لم يكتفي بالكلام عنها بل دعا إليها، وهذا فيه إشارة إلى أن أهل التجهم استطاعوا أن يلبسوا على أئمة المسلمين -على المأمون والواثق والمعتصم- ليقنعوهم بأن رأيهم هو الحق لاسيما وأن هؤلاء الأئمة ليسوا متخصصين كتخصص أئمة السلف، وإن كانوا في الأصل هم على السنة، لكن حينما لبس عليهم هؤلاء، وهذا يذكرنا بخطورة البطانة السيئة عند ولاة الأمر، وأنهم قد يلبسون على أولي الأمر مهما كان من قوة الذكاء والفطنة ما لم يكن متخصصاً التخصص الدقيق، وما لم يعصمه الله -عز وجل-، فهؤلاء البطانة أقنعوا هؤلاء الأئمة أن يدعوا إلى هذه البدعة على أنها هي الحق وأن يقصروا الناس عليها قصرًا، ويرغموا الناس على هذه البدعة إرغامًا؛ لأنهم يظنون أنها الحق وهذا تلبيس، وهذا أيضًا يذكرنا بنقطة منهجية مهمة جدًا، وهي دعوة كثير من أهل الأهواء والبدع والمفتونين والجاهلين اليوم ممن يزعمون الثقافة ويزعمون أنهم على الموضوعية والإنصاف والعدل، هؤلاء أحيانًا يظنون أن بعض أهل الأهواء والبدع تكون أصولهم على قواعد عقلية صحيحة، وأنهم في بعض الأحيان يتحرون الموضوعية والعدل والإنصاف، نقول: هذا أنموذج وأنهم أيضًا أصحاب حرية، حرية القول وحرية الرأي نقول: هذا أنموذج، حينما تمكنت المعتزلة والجهمية بعض التمكن في السلطان أرغموا الناس على عقائدهم بقوة السيف وبقوة السلطان، وهذا لم يحدث حتى من السلف الذين هم أهل الحق، لم يحدث أنهم حملوا الناس على أن يخضعوا للحق بقوة السيف، إلا إذا وجدوا بدعة تنتشر ويعم فسادها، فهذا أمر من مقتضى الحدود الشرعية التي لابد من حماية الأمة من غوائلها، أما إرغام عامة الناس وإرغام الساكتين والذين هم على الفطرة، إرغامهم على قول فهذا لم يحدث؛ لأن الهداية بيد الله، الناس يعرض عليهم الحق، فإن استجابوا بها ونعمت، وإن لم يستجيبوا فأمرهم إلى الله إلا من عارض الحق وأتى بما يفسد عقائد المسلمين فهذا لابد من أن يقف منه ولي الأمر الموقف الحازم.
أعود وأقول نعم هذه القصة دليل على أن هؤلاء الذين يدعون الحرية هم أبعد الناس عن الحرية، يدعون الموضوعية وهم أبعد الناس عن الموضوعية، يدعون العدل والإنصاف هم لم يعدلوا ولم ينصفوا، وقد أرغموا الناس على البدعة إرغامًا، هذا الذي تكلم ببدعة ربما يكون ابن أبي ذؤابة وغيره، القصة مبهمة، لكنه من رؤوس أهل البدع، (ودعا إليها الناس) يعني بقوة السلطان، قال -أي: الأدرمي- عن هذه البدعة وهي بدعة تأويل الصفات على الراجح وإنكارها، تأويل الصفات وإنكارها (هل علمها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي)، انظر، السؤال فيه إلجام للمسئول كما سيأتي؛ لأنه خيره بخيارات لا نحيد عنها، هذه البدعة يقول: هذه البدعة التي دعوت إليها أنت وأصحابك هل علمها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟ لأنك تقول: أنها حق سنة، هل علمها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي، يعني الخلفاء الراشدين أو لم يعلموها؟ أمامه أحد خيارين، وفعلاً هل علموها أو لا يعلموها، ليس وراء الخيارين خيار ثالث، يعني هل هم يعلمونها أو يجهلونها؟ قال: بلا علم بتخرص والله -عز وجل- يقول: ﴿ قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ ﴾ [الذاريات: 10] قتلوا حتى بأنهم يهزمون، لا يعني القتل قتل السيف، لكنهم هذا من باب الدعوة عليهم، بمعنى أن الله يخذلهم في الدنيا ويعذبهم في الآخرة، ﴿ قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ ﴿10﴾ الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ ﴾ [الذاريات: 10].
قال الخصم وهو من أهل البدع صاحب البدعة: قال: لم يعلموها، يعني أن النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه يجهلون هذه المقولة، أرجو أن تلاحظوا كيف وقع هذا الشخص من حيث لا يشعر، فهذا كأنه فهو هنا نسب الجهل إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه، في قضية من قضايا الدين الكبرى متعلقة بذات الله وأسمائه وصفاته وأفعاله، أعظم مقاصد الدين، فهنا الرجل أو المبتدع وقع في مشكلة معضلة.
وهي أعظم من التي تكلم بها في البداية، المشكلة التي وقع فيها الآن هي أعظم من البدعة التي تكلم فيها أو دعا بها في البداية؟.
لا، … هو يعني بالبدعة التي تكلم فيها في البداية هي نفسها.
أقصد أنه نفي علم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والصحابة أشد من البدعة نفسه.
نعم أحسنت، يعني وصف النبي -صلى الله عليه وسلم- بأنه لم يعلم يعني يجهل هذه البدعة التي قالوا بها هذا أعظم من البدعة نفسها، أحسنت، هذا شيء.
الشيء الآخر: أن هذه القاعدة قبل أن آتي بالإلزام الثاني: هذه القاعدة تشمل جميع البدع وأهل البدع، نقول لهم: هذه البدعة التي فعلتموها أو قلتموها أو اعتقدتموها هل كان يعلم بها النبي -صلى الله عليه وسلم-؟ إن قالوا: يعلم بها، نقول: هاتوا العلم، هاتوا برهانكم، هاتوا الدليل، إن قالوا: لم يعلم بها ونحن أحدثناها من باب تحسين الدين إلى آخره نقول: إذن الأمر على الخيارين كله باطل، إن قلتم لم يعلمها الرسول -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه فنسبتم إليهم الجهل، إن قلتم علموها فمعنى هذا إذن إذا كانوا علموها ولم ترد في الكتاب والسنة بمعنى أنها جحدت معناها أنه خفي من الدين شيء، وهو الإلزام الثاني، فشيء قال: لم يعلموها، قال له -أي: صاحب السنة الأدرمي- قال لهذا المبتدع: فشيء لم يعلمه هؤلاء علمته أنت؟!!
ماذا سيقول؟ وقع في معضلة هل يعقل أن يدعي أنه أعلم من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والصحابة، مهما كان صاحب ضلالة فإنه لا يجرؤ على ذلك؛ لأن هذا هدم للرسالة، قال: نكص كيف، النكوص دليل أصلاً أنه لم يثبت عنده ثوابت، لو كان دينه ثوابت ما قال بقولين في مجلس واحد؛ لأن الدين ثابت العقيدة ثوابت ومسلمات لا تقبل أن يكون فيها قول والقول الآخر، أو قول ويرجع عن قول.
قال هذا المبتدع: (لم يعلموها، قال: فشيء لم يعلمه هؤلاء) أي الرسول -صلى الله عليه وسلم- وصحابته (علمته أنت؟!! فقال الرجل: إذن فإني أقول: قد علموه) أقول: أرجع عن قولي وأقول علمها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وصحابته، وهنا أيضًا وقع في ورطة أخرى، قال: (أفوسعهم) أي: هل جاز لهم هل جاز لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا كان يعلم بهذه المقولة والبدعة أن لا يتكلموا بها؟ يعني هل جاز لهم أن يكتموها؟ إن قال لا، نقول: إذن هات الدليل إذا كانوا ما كتموها، إذن أمامك أحد خيارين إما أن لم يكونوا يعلموها فنسبت الجهل إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهذا عين الباطل، أو تقول علموها، نقول: هات برهانك هات دليلك، إذاً ما عندك دليل يبقى معنى ذلك أنك افتريت على النبي -صلى الله عليه وسلم- والصحابة.
قال الرجل: (أفوسعهم ألا يتكلموا به) أي أن كتموا هذه البدعة التي تقول بها، ولا يدعوا الناس إليها أو لم يسعهم؟ (قال: بل وسعهم) أي أنه وسعهم أن لا يخبروا الناس هذه المقولة، كأنه يقول النبي -صلى الله عليه وسلم- علمها لكن ما أخبر بها، هذا معناها، علمها لكن ما أخبر بها، والصحابة علموها فما أخبروا بها، (قال: إذن هل يجوز لهم أن لا يدعوا الناس إليها ولم يخبروا بها؟ قال: نعم وسعهم) إذن وقع في مشكلة، معناه أن هناك شيء من الدين خفي، هناك من الدين لم يبلغه النبي -صلى الله عليه وسلم- ولم يؤد الأمانة، ولم يبلغ الرسالة، قال الرجل: فشيء وسع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وخلفاؤه لا يسعك أنت؟ إذن هو الآن يعني رجع إلى نتيجة مضمرة قال: إذا كانوا لم يدعوا إلى هذا الأمر فمعناها أنه ليس بحق، أنه باطل؛ لأنه لو كان حقاً لدعا إليه الرسول -صلى الله عليه وسلم- ولدعا إليه أصحابه، إذن الحجة الثانية تتضمن أمرين: إما أنهم علموا وجحدوا، وهذا عين الباطل، أو لم يعلموا فمن هنا نسبت إليهم الجهل، وكل ذلك عين الباطل.
(قال: فشيء وسع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وخلفاؤه) أي لم يتكلموا بهذا الأمر، لم يتكلموا به (لا يسعك أنت؟) يعني ألا تسلك نهج النبي -صلى الله عليه وسلم-؟ (فانقطع الرجل، قال الخليفة وكان حاضرًا: لا وسع الله على من لم يسعه ما وسعهم)، يعني من لم ينهج نهجهم فلا وسع الله عليه، وهكذا من لم يسلك ما سلكه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه والتابعين لهم بإحسان والأئمة من بعدهم والراسخون في العلم بتلاوة آيات الصفات وقراءة أخبارها وإمرارها كما جاءت بالحق والبيان، بلا تمثيل ولا تعطيل، فلا وسع الله عليه.
إذن الذي وسع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ووسع أصحابه أولاً البيان، تلاوة آيات الله وإيراد الأحاديث الثابتة في أسماء الله وصفاته وأفعاله وجميع أمور الدين وقراءة أخبارها على من لا يجحدون شيئًا منها، قراءة أخبارها، يعني النبي -صلى الله عليه وسلم- بلغها وقرأها وأعلمنا والصحابة قرؤوها وأخبروها وحدثوا بها وعلموها، وأمروها كما جاءت بمعنى أنهم أهل فقه، الصحابة -رضي الله عنهم- أهل تدبر للقرآن، وأهل فقه وعلم راسخ، لم يكونوا يتلون القرآن تلاوة سطحية ولم يأخذوا أحاديث النبي -صلى الله عليه وسلم- مجرد الأخذ من غير تدبر، بل كانوا يتدبرون القرآن ويتدبرون السنة؛ ولذلك هذه النصوص -نصوص العقيدة والغيبيات- أمروها كما جاءت أي كما جاءت بالحق والبيان ولم يمثلوا ولم يعقبوا ولم يشبهوا، هذا الذي كان عليه النبي -صلى الله عليه وسلم- وصحابته، أظن الأمر واضح يا شباب.
هل هناك سؤال قبل أن أنتقل للتي بعدها.
يقول: هل ممكن أن يؤخذ من هذا أنه يجوز أو يحق لكل إنسان أن يجادل أهل البدع والمبتدعة؟ أو هي لابد من صفات معينة حتى يقوم الإنسان بمجادلة ومناقشة أهل البدع؟.
أحسنت، طبعًا من خلال هذه القصة وغيرها، بل النهج الذي نهجه السلف كانوا لا يتكلمون إلا بعلم، ولا يجادلون أهل الأهواء إلا عن بصيرة وتمكن، بل كانوا يرون أن منهجهم الذي هم عليه وعودوا عليه عامة المسلمين وطلاب العلم أن من لم يتمكن من العلم الذي يجادل فيه عن الدين فلا يجوز له أن يجادل حتى ولو ظهرت البدعة، لماذا؟ لأنه لابد إذا قصر علمه وقصرت قدرته العقلية كذلك فلابد أن يقول على الله بغير علم، وأن يلتزم بلوازم لا تصح، وأن يقع في حرج يخرج منه بكذب أو جهل أو تخرص، أو انهزام فيعود الأمر على ضعف الموقف عن السنة وهذا لا يجوز، فلهذا أوصي طلاب العلم أن لا يتعجلوا في مجادلة أهل الأهواء والبدع والافتراء بغير علم، وأنهم إذا لم يتمكنوا فلا يلحق ذمهم شيء، حتى وإن أعلن أهل البدع بدعهم وجرءوا على الدين، فإنك إذا لم تتمكن فذمتك بريئة، والله -عز وجل- يهيئ للأمة من أمرها رشداً.
قال المؤلف -رحمه الله تعالى-: (فمما جاء من آيات الصفات قول الله -عز وجل-: ﴿ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ﴾ [الرحمن: 27]، وقوله -سبحانه وتعالى-: ﴿ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ ﴾ [المائدة: 64]، وقوله تعالى إخبارًا عن عيسى -عليه السلام- أنه قال: ﴿ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ ﴾ المائدة: 116]، وقوله سبحانه: ﴿ وَجَاءَ رَبُّكَ ﴾ [الفجر: 22]، وقوله تعالى: ﴿ هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللهُ ﴾ [البقرة: 210]، وقوله تعالى: ﴿ رَّضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ﴾ [المائدة: 119]، وقوله تعالى: ﴿ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ﴾ [المائدة: 54]، وقوله تعالى في الكفار: ﴿غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ﴾ [الفتح: 6]، وقوله تعالى: ﴿ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللهَ ﴾ [محمد: 28]، وقوله تعالى: ﴿ كَرِهَ اللهُ انبِعَاثَهُمْ ﴾ [التوبة: 46]).
أحسنت.
هذه الآيات كلها جاءت نماذج لإثبات الصفات والشيخ -رحمه الله- ركز على الصفات التي عليها خلاف؛ ولذلك لم يتحدث في مثل هذه الأمثلة عن الصفات التي يتفق عليها كثير من أهل التأويل، وليس كلهم، كأهل الكلام التي يتفقون عليه من أهل السنة في الإرادة والخلق ونحو ذلك، فهذه الصفات يقرون بها، لكنه أتى بنماذج من الصفات التي يؤولونها، وهذه الصفات كلها وإن كنا نعدها الآن باختصار وهي صفة الوجه في قوله -عز وجل-: ﴿ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ﴾ وصفة اليدين لقوله: ﴿ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ ﴾ لله -عز وجل- كما يليق بجلاله، وكذلك صفة النفس في قوله سبحانه عن عيسى: ﴿ وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ ﴾ وكذلك صفة المجيء في قوله سبحانه: ﴿ وَجَاءَ رَبُّكَ ﴾ وكذلك صفة الإتيان وهي بمعنى المجيء: ﴿ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللهُ ﴾ كذلك صفة الرضا من الله -عز وجل- في قوله سبحانه: ﴿ رَّضِيَ اللهُ عَنْهُمْ ﴾ وكذلك صفة المحبة لله -عز وجل- في قوله سبحانه: ﴿ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ﴾، كذلك صفة الغضب لله -عز وجل- على ما يليق بجلاله في قوله سبحانه: ﴿ غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ ﴾ وقوله تعالى عن السخط: ﴿ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللهَ ﴾ هذه النصوص بل أيضًا قوله -عز وجل- في صفة الكره: ﴿ كَرِهَ اللهُ انبِعَاثَهُمْ ﴾ هذه الآيات هي نماذج من آيات كثيرة هي بالعشرات والمئات فيها إثبات الصفات، هذه جاء بها الشيخ ليقرر عقيدة السلف، قاعدة السلف في هذه النصوص ونحوها، هذه مجرد أمثلة ثم سيأتي بعد قليل بأمثلة من السنة، هذه الأمثلة كلها نؤمن بما جاء بها حقًا، يعني هذه الصفات هي لله حقًا على ما يليق بجلاله، وأن هذه الصفات لا ترد، بأي شبهة كانت، مهما كانت الشبهة في ذهن السامع أو المتأمل مهما كانت الشبهة قوية إلا أنه لا يجوز أن يتعلل بالشبهة أو الاشتباه أو عدم الفهم أو تعارض العقل عنده عن النص بما يزعم، لا يجوز أن يجعل ذلك مبرر لرد هذه الصفات، كذلك لا نؤول هذه الصفات على الإطلاق، نبقيها على حقيقتها على ما يليق بجلال الله، أيضًا لا نشبه، ثم نثبت الصفات ولوازمها، ومعنى ذلك أن هذه الصفات كلها جاءت بإثبات العظمة والجلال لله -عز وجل- ونفي النقائص، أيضًا أعني بذلك أن السلف حينما يثبتون هذه الضرورات يثبتون بالضرورة لوازمها، فمثلاً في قول -عز وجل-: ﴿ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ﴾ يلزم منها أن الله -عز وجل- بذاته باق، لكن عبر عن الذات بالوجه؛ لأن الوجه أكرم عند الخلق أكرم ما يوصف به الموصوف، نعم صفات الله -عز وجل- كلها على منتهى الكرم والكمال لكن هذا من باب تقريب المعاني للمخاطبين، فإذن حينما نثبت الوجه لله -عز وجل- صفة ذاتية كما يليق بجلاله، فلا يعني ذلك أننا ننكر لوازمها من صفات الكمال والجلال ونفي النقائص، فحينما نثبت الوجه نثبت جميع صفات الكمال، ومن ذلك إثبات الذات، وحينما نثبت الوجه ننفي التشبيه بالضرورة؛ لأن الله -عز وجل- كما قلنا في الدرس الماضي كما جاء في قاعدة الآية ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾ [الشورى: 11]، ثم كذلك بقية الصفات الأخرى: ﴿ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ ﴾.
هنا نثبت كلام الله كما جاء لا نزيد ولا ننقص الله -عز وجل- هو الذي يتكلم عن نفسه، لم نأتي من عندنا بشيء، واليدان حقيقة لله على ما يليق بجلاله لكن مع نفي التشبيه قطعًا، ثم أيضًا نثبت اللازم يمكن أسأل؟ ما هو اللازم؟ ما لازم إثبات اليد؟ لأن قوله -عز وجل-: ﴿ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ ﴾ جاء في معرض نفي النقائص التي زعمها اليهود عن الله -عز وجل- حينما قالوا: ﴿ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ ﴾ [المائدة: 64]، تعالى الله وما أحلم الله حينما قالوا: ﴿ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ ﴾ الله -عز وجل- أثبت من خلال إثبات اليدين ما يرد عليهما، وهو لوازم، يسمى لوازم بالضرورة، ما هي هذه اللوازم؟
إثبات الذات لله -سبحانه وتعالى-، إثبات اليدين لله -جل وعلا-، والقدرة.
والذي جاء بمناسبة الرد على اليهود؟
الكرم.
هم قالوا: ﴿ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ ﴾ نعم.
﴿ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ ﴾.. الإنفاق.
إثبات الكرم والعطاء والرزق على وجه الكمال، ثم أيضًا قوله -عز وجل- عن عيسى ﴿ وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ ﴾ فيه إثبات هذه الصفة لله -عز وجل- على ما يليق بجلاله، ولا نقيس ذلك على نفس المخلوقين، بل هنا النفس تدل على الذات وتدل على الصفات، وتدل على جميع معاني الكمال، وكذلك قوله -عز وجل-: ﴿ وَجَاءَ رَبُّكَ ﴾ هذا ثبت فيه صفة المجيء لله -عز وجل-، وليس المقصود مجيء الملائكة أو مجيء الآيات لله أو غير ذلك من الأمور الأخرى؛ لأن الآية جاءت صريحة نسبة المجيء إلى من؟ إلى الرب -عز وجل-، فهذا دليل على أنها صفة لله على ما يليق بجلاله، اللوازم الباطلة التي تلزم في ما نعهده في المخلوقين لا تلزم في حق الله؛ لأن الله أعظم من كل شيء، إنما نثبت المجيء وهو صفة كمال لله على ما يليق بجلاله، وكذلك قوله: ﴿ هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللهُ ﴾ هنا الإتيان لله -عز وجل- مثل المجيء على ما يليق بجلاله، وليس المقصود به إتيان آياته ولا إتيان الملائكة؛ لأن الله -عز وجل- قال: ﴿ هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللهُ ﴾ والله -عز وجل- ذكر في آيات أخرى إتيان الملائكة في سياق آخر وإتيان آيات الله في سياق آخر، فلا يحمل هذا على ذلك بل هنا لابد من إثبات الآية على ظاهرها؛ لأن الله خاطبنا بلسان عربي مبين، والإتيان بالله -عز وجل- يلزم منه إثبات كمالات لله لا تنتهي، ومنها كمال الأفعال، كمال الأفعال لله -سبحانه وتعالى-، فهو يفعل ما يشاء، وكذلك قوله -عز وجل-: ﴿ رَّضِيَ اللهُ عَنْهُمْ ﴾ هذا يلزم منه إثبات الرضا وما يلزم من الرضا من الثواب ومن الرحمة، ومن جميع لوازم الرضا والولاء للمؤمنين، لأن بعض أهل الأهواء والبدع الذين يؤولون ينقلون الصفة إلى بعض لوازمها، ولذلك تميز السلف، مثلاً يقولون الرضا: هو إرادة الإنعام، نحن نقول: إرادة الإنعام لا شك أنه يدل عليها السياق، لكن ليست هي المقصود فقط؛ ولذلك تميز منهج السلف بإثبات الصفة مثل صفة الرضا لله -عز وجل- وإثبات لوازمها الكثيرة التي لا تنتهي، من الرضا والرحمة والولاء للمؤمنين وغير ذلك من الذين رضي الله عنهم نسأل الله أن يجعلنا جميعًا منهم، يخشى من الذين ينكرون مثل هذه الصفات لله -عز وجل- أن يحرمهم الله -عز وجل- من رضاه، وإن كان ظهر عليهم الصلاح؛ لأنهم أساءوا الأدب مع الله وكذلك قوله: ﴿ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ﴾ إثبات المحبة لله -عز وجل- على ما يليق بجلاله، وإثبات لوازمها كذلك، وكذلك السخط والكره كلها الله -عز وجل- يسخط الباطل، ويسخط أهل الباطل، ويسخط الأعمال المشينة، ويسخط الظلم ويكره أيضًا الكفر والشرك وأهلهما ويكره الظلم والعصيان إلى آخره، فهذا كمال لله -عز وجل- على ما يليق بجلاله أيضًا، وكذلك نثبت منه اللوازم، فإن الله -عز وجل- حينما يسخط من بعض أعمال العباد وحينما يكره بعض أعمال العباد هذا يعني أنه لا يرضاها ويعاقب أهلها إلى آخرها من اللوازم التي تلزم.
يقول: ما معنى قولهم: جانب الأسماء أضيق من جانب الأفعال، وجانب الأفعال أضيق من جانب الإخطار؟
السؤال الثاني: ما حقيقة التفويض وهل بقيت له باقية في عصرنا الحالي؟.
هو قال أضيق السؤال الأول؟
أضيق من جانب الأفعال، جانب الأسماء أضيق من جانب الأفعال.
لا، أضيق من وجه وأوسع من وجه حقيقة يعني مسألة أضيق هذه كلمة ترجع إلى المعنى المقصود، فباب الأسماء لله -عز وجل- أضيق؛ لأن مجال الأسماء توقيفي على ما يتعلق بالأسماء المتعلقة بالذات، الأسماء أسماء الله -عز وجل- توقيفية على ما جاء في كتاب الله وسنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وأيضًا الأسماء معدودة ومحدودة؛ لأنها ليس كل ما يرجع إلى الوصف يثبت منه الاسم؛ لذا كانت الصفات أوسع؛ لأن كل الأسماء تدل على الصفات، وهناك صفات تزيد على الأسماء ليس كلها يدل على الأسماء، فكان باب الصفات من هذا الجانب أوسع، لأن الصفات هي أحوال، يعني تدخل فيها الأسماء وزيادة، بمعنى: إن كثير من الصفات لا يلزم أن نثبت منها أسماء، بينما الأسماء كلها نثبت منها صفات، ثم الأفعال أوسع؛ لأن الأفعال تتعلق بمقدورات الله -عز وجل- وهذه لا تتناهى، بينما الصفات لا يمكن نثبت صفة إلا نجزم بأنها لها دلالة على الوصف، الأفعال بعضها يدل على الوصف، وبعضها أوسع من ذلك؛ ولذلك الأفعال هي كل الأخبار المتعلقة بأفعال الله -عز وجل- لكن كلها يثبت منها الصفات، هذا المنهج لعله يقرب، أو هذه الطريقة في الإثبات هي التي ستقرب معنى الأضيق والأوسع أو الخصوصية والعموم، وإلا فلها وجوه أخرى فيها غموض أخشى أنها تشكل على كثير من المشاهدين.
السؤال الثاني:
يقول: حقيقة التفويض وهل له وجود في العصر الحاضر؟.
نعم، التفويض موجود أولاً والأمر الآخر حقيقته هي التخلي عن الإثبات، التنصل من الإثبات، وهذا لا شك أنه يعتبر نوع من الإلحاد غير الظاهر، يعني يعتبر نوعًا من الإنكار التعطيل على لغة السلف، التعطيل هو إفراغ ألفاظ الأسماء والصفات عن معانيها، إفراغها من حقيقة، إذن فالتفويض هو الهروب من إثبات الحقيقة، الهروب من إثبات الحق والحقيقة، أحيانًا يكون عن عجز وعن جهل، فهذا لعل صاحبه معذور حتى يتعلم، لكن يشكل أنه في بعض الأحيان الأخرى يكون عن منهجية بدعية، التي هي قصد عدم الإثبات، قصد النفور من التشبيه بطريقة خاطئة، واعتقاد أن إثبات الأسماء والصفات تشبيه أو تجسيد فهذا الاعتقاد الباطل أحيانًا يجر إلى التفويض، بمعنى أن بعض الناس قد لا يجرؤ أن يؤول أو ينكر فيقف موقف سلبي يقول: أنا لا أثبت ولا أؤول ولا أنكر فهذا كأنه تنصل من إثبات الحقيقة، وهذا أيضًا عين الباطل، إذن فأقول: نعم التفويض أحيانًا يكون منهج، وهو هروب من الإثبات، وأحيانًا يكون التفويض عن جهل وعجز، فهذا لعل صاحبه معذور حتى يتعلم.
تقول: السؤال الأول: بالنسبة للقصة التي ذكرها الشيخ هل هي المقصود بها قصة خلق القرآن التي كان في زمن الخلفاء الراشدين؟ قرأت قصة قريبة من هذه من نفس السياق وكان المقصود فيها خلق القرآن وكذا وبعد هذه المناظرة رفعت الفتة؟
السؤال الثاني: كثيرًا ما تراود الإنسان كثيراً من الناس تراوده شكوك مثلاً هذه الأمور مثلاً في تأويل أسماء الله -سبحانه وتعالى- وصفاته، يعني يهجم عليه الشيطان -والعياذ بالله- يشككه في بعض الأمور، يعني مثلاً في أن الله -سبحانه وتعالى- هو الأول والظاهر، كيف هو الأول، فسبحان الله أحيانًا تهجم بشكل كبير جدًا على الإنسان فيكف.. الإنسان هذه الشكوك؟ يعني أحيانًا تكون بشكل مزعج ولا يعلم كيف تعداها؟.
تقول: السؤال الأول: ما المقصود بالبدعة النسبية في قوله: نعمة البدعة؟
السؤال الثاني: هل البدعة درجات أم درجة واحدة؟
السؤال الثالث: هل التسبيح.. بدعة قياسًا لنهي ابن مسعود -رضي الله عنه- عن التسبيح بالحصى؟ وإذا كان غير بدعة فكيف نوفق بين هذا ونهي ابن مسعود؟
السؤال الأخير: هل يجوز مجادلة أهل البدع إذا كان يؤدي إلى منكر أعظم من بدعتهم؟ مثل ما فعل هؤلاء المبتدعة عندما نسبوا الرسول -صلى الله عليه وسلم- بكتم العلم والجهل؟.
تسأل عن القصة التي ذكرت قبل قليل.
القصة هذه اختلف عليها؛ لأن القصة جاء بها المؤرخون، دون سند يثبت متى كانت وعلى يد من كانت، فهذا على سبيل الشهرة فقط، يعني القصة من حيث سياقها هل قصة الأدرمي مع ابن أبي داود أو مع واحد آخر، وهل هو الأدرمي هذا الذي له بعض المواقف الأخرى يعني القصة من حيث ما يكتنف بها من بعض الأحداث وعلى يد من كانت، ومن هو الرجل المقابل؟ هذه الحقيقة ما عندنا ما يثبت صحتها، لكن هذه المحاجة بهذه الطريقة قال بها عدد من السلف، هذا أنموذج، ولذلك أنا أرى أن هذا منهج سواءً حدثت القصة على النحو الذي ذكر من الأدرمي أو من غيره أو لم تحدث، سواءً هي القصة التي طبعت واشتهرت الآن عند الناس أو وهي غيرها لا يهمنا ذلك، يهمنا الفحوى، فالفحوى ثابتة، يعني الموضوع بهذا السياق ثابت عن السلف في مقامات كثيرة، نعم.
هل نقول أن القصة ليست مقصودة لذاتها؟.
نعم ممكن يكون المقصود يعني ملابسات القصة هي المقصودة، ولا أشخاصها، إنما المقصود ما تضمنه من حجج عقلية قوية ملزمة.
تسأل عن الشكوك التي تراود الإنسان في تأويل الأسماء والصفات كيف أن الله هو الأول وهو الآخر؟.
علي أي حال هذه خواطر ليست شكوك، أرجو أن تكون خواطر وخيالات لا يسلم منها إنسان، لكن المؤمن القوي الإيمان الثابت العقيدة يطرد هذه الخيالات بقوة إيمانه؛ لأنه علم أن الله -عز وجل- أعلم من كل شيء؛ ولذلك الإنسان الذي ترد عليه الخيالات عليه أن ينظر في واقعه القريب ما يتطلع إلى الوقوف عند خيالات وأوهام عن الله -عز وجل-، ينظر إلى نفسه، هذه الروح التي فيه هل يدري كيفيتها، أحيانًا يتصور عن الروح صورًا خيالية ويعلم جزمًا أنها ليست هي الحقيقة، هذا العقل، العقل الذي نعقل به كثيرًا منا عندما يتحدث عن العقل أو يقرأ عنه يتخيل خيالات ويتوهم أوهام يجزم أنها ليست حقيقة العقل، هذا إذا كان في مخلوقات يعيشها الإنسان في نفسه، فليعلم أن الله أعظم وأجل من أن تحكمه خيالاتنا أو تحيط به، فمن هنا -إن شاء الله- قوة الإيمان تطرد هذه الخيالات، إما أن يسلم عنه الإنسان، فهذا قد يستحيل أن يسلم منه الإنسان، ويجب من يجد هذه الخيالات والأوهام أن لا يضيق صدره، إلا إذا وصلت إلى حد يؤثر في مسلكه العقدي فمن هنا -إن شاء الله- يجد من يبصره.
يقول: هل يبحث عن معاني أو تأويلات أو يقفل الموضوع نهائي بحيث لا يتكلم به؟.
لا...، هو إذا عرف أن هذه خيالات وهي تتسبب في المعاني والتأويلات إذن كما قطع الخيال وأبعده عن الله -عز وجل- كذلك ما يلزم من ذلك من معاني وتأويلات، كذلك يجب أن يطرده؛ لأن الله ليس كمثله شيء سبحانه وهو السميع البصير.
تسأل عن البدعة السنية، هل هناك بدعة وتستشهد بمقولة: نعمت البدعة؟.
نعم، على أي حال عمر -رضي الله عنه- رسم منهج كسائر الصحابة في سد ذرائع البدع؛ ولذلك قصة نعمت البدعة، قصة لها ملابسات هو كان تكلم في إعادة صلاة التراويح بعدما النبي -صلى الله عليه وسلم- تركها خوفًا من أن تفرض، فهو يقول -أي: عمر-: انقطع الوحي ولا خوف ممن فرضها، ورأى الناس أنزاعًا يعني جماعات يصلون، نجمعهم على إمام واحد، قال أحدهم: نعمت البدعة من باب المخاصمة، فهو رد عليهم من باب المخاصمة، قال أحدهم: بدعة، فهو من باب رد العبارة بما يشاكلها، قال: نعمت البدعة، وإن كنت تسميها بدعة إلا أن هذه عبارة لغوية، وصف لغوي للكلمة، لا وصف شرعي، والدليل على هذا منهج عمر نفسه، يعني أبعد الناس عن البدع، فكيف يكون إمام راشد.. حتى ذرائع البدع يأخذها بحزم، ذرائع البدع وسائلها يأخذها بحزم، فكيف بدع حقيقية، فإن هذه الحقيقة تؤخذ على أنها من باب الرد رد الكلمة بمثلها لا من باب الإقرار الشرعي بأنها بدعة ولا شك، نعم.
تسأل عن مجادلة أهل البدع، هل يجوز ذلك؟.
بدون تأهل أهلية وجدارة لا يجوز، بل هو إثم عظيم؛ لأنه يؤدي إلى القول على الله بغير علم، ويؤدي إلى خذلان الحق.
يسأل يقول: بالنسبة للذين لا يتكلمون العربية هل يصح أن نترجم لهم العقيدة وشروحها؟.
نعم، تترجم لهم بمعانيها فقط يترجمها واحد حاذق في فهم اللغة العربية وفقه الدين، ليس فقط فهم اللغة العربية، يفقه المصطلحات الشرعية على وجه سليم، ترجمة معاني، شرط أن يفهم المترجم لهم حينما تأتي النصوص على أنه هنا يترجم معانيها، نعم لابد، كيف يبلغ الحق إلا بالترجمة؟.
الآن سنبدأ الأدلة من السنة وهي كذلك نماذج انتقاها المؤلف لأدلة كثيرة، نعم
يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-: (ومن السنة قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (ينزل ربنا -تبارك وتعالى- كل ليلة إلى سماء الدني) وقوله -صلى الله عليه وسلم-: (يعجب ربك من الشاب ليست له صبوة) وقوله -عليه الصلاة والسلام-: (يضحك الله إلى رجلين قتل أحدهما الآخر ثم يدخلان الجنة) فهذا وما أشبهه مما صح سنده وعدلت رواته نؤمن به ولا نرده، ولا نجحده ولا نتأوله بتأويل يخالف ظاهره، ولا نشبهه بصفات المخلوقين ولا بسمات المحدثين ونعلم أن الله -سبحانه وتعالى- لا شبيه له ولا نظير ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾ وكل ما تخيل في الذهن أو خطر بالبال فإن الله -تعالى- بخلافه).
أحسنت في هذا المقطع المؤلف -رحمه الله- أتى بنماذج للصفات، خاصة الصفات الفعلية، من أحاديث النبي -صلى الله عليه وسلم- الثابتة، من ذلك صفة النزول، وهذا أيضًا كغيره من الصفات الأخرى ثبت فيه نسبة أو إضافة النزول إلى ربنا -عز وجل- قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (ينزل ربنا تبارك وتعالى) مما يرد ويقطع باب التأويل الذي أول به المؤولون حينما قالوا: تنزل ملائكته تنزل آياته، تنزل رحمته، ينزل أمره وتقديره، إلى آخره، كل هذا عين الباطل نعم هذه الأمور هي من لوازم، فربنا -عز وجل- ينزل كما يليق بجلاله ليس كنزول المخلوقين من أجل أن ننفي ونشبه.
(كل ليلة إلى سماء الدني) ومن خلال النزول نثبت الصفة واللوازم الأخرى أنه من خلال نزوله نثبت له الكمال أنه ينزل رأفة بالعباد وأنه أيضًا يدبر أمر ملائكته وأمر خلقه، كل ذلك من اللوازم يلزم من النزول، لكنه هذا النزول له خصوصية فإن الله -عز وجل- ينزل لطفًا بالعباد بعباده الذين يدعونه كل ليلة إلى سماء الدنيا.
قال: (ويعجب ربك) كذلك نسبة العجب إلى الله تدل على أنها صفة من صفات الله على ما يليق بجلال الله وهي صفة الكمال، وكذلك قوله: (يضحك الله) الضحك لله -عز وجل- على ما يليق بجلاله، وأضيف إلى الله -سبحانه وتعالى- إضافة الفعل إلى الفاعل إلى من يفعله وهو الله كما يليق بجلاله من غير توهم فضلاً عن إثبات أو القول بالتشبه من غير توهم والتشبه، وهذه الصفات وأمثالها، هذه النصوص وأمثالها التي تتضمن الصفات وضع لها المؤلف هنا كما وضع هناك قواعد عظيمة في هذين السطرين الشيخ أشار إلى خمس قواعد تحكم هذه الصفات من أمثلتها عرف منهج السلف وسلمت عقيدته من غوائل التشبيه وغوائل التأول.
قال: (هذا مما صح سنده وعدلت رواته) بمعنى أننا نحن لا نثبت إلا ما ثبت، الحديث الضعيف أو الموضوع أو الحكايات هذا لا نثبت منها دين، هذا أولاً قاعدة أولى، القاعدة الثانية: نؤمن به، ما معنى نؤمن؟ يعني نسلم، ونخضع، ونصدق ونقتنع بأن كلام الله حق، هذا معنى الإيمان بمفهومه المجمل هنا، نؤمن به ولا نرده، لماذا قالوا: ولا نرده؛ لأن هناك أناس يدعون أنهم يؤمنون بالصفات ثم يردونها.
إذن هذا نكص، فدفعًا للنكوص قال: (ولا نرده) ثم (ولا نجحده) الراد أوسع من الجاحد من جانب، وأضيق من الجاحد من جانب آخر، الرد رد النص، والجحد أحيانًا يكون رد النص ورد الحق الذي يتضمنه، وكذلك العكس، إذن هما عبارتان أقرب إلى الترادف، رد النص ورد المعنى والجحد جحد النص وجحد المعنى.
قال رابعًا: (ولا نتأوله بتأويل) أي تأويل؟ حتى وإن سماه أصحابه تأويل صحيح أو إلى خلافه لماذا؟ لأن أمور الغيب التأويل فيها هو حيدة عن حقيقتها إلى معاني أخرى، هو خروج عن الحقيقة والإثبات إلى معاني أخرى، ولا نتأول بتأويل نخالف ظاهره، بمعنى أن بعض النصوص تؤول بنصوص أخرى؛ لأن هذا هو ظاهرها، أيضًا قصده (يخالف ظاهره) بمعنى: أن قد نسمي الإثبات تأويل، لكن إذا كان التأويل يخالف الظاهر، فمعنى أن التأويل باطل وهو يعني العدول عن المعنى الحقيقي في النص إلى معنى متوهم لقرينة، فهذا تأويل يخالف ظاهره، أما الإثبات فقد يسمى تأويل؛ لأن السلف يطلقون على التفسير تأويل.
قال: (ونشبه بصفات المخلوقين) هذا واضح، (ولا بسمات المحدثين) المحدثين هم المخلوقات التي أحدثها الله -عز وجل-، فالله -عز وجل- لا يتسم بأي سمة من سمات المخلوقات، ونعلم أن الله -سبحانه وتعالى- لا شبيه له مطلقًا ولا نظير، وليس بين العبارتين الفرق الكبير ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾ هذه قاعدة عظيمة نأتي بها دائمًا في كل موضوع وكل ما تخيل في الذهن أو خطر بالبال فإن الله -تعالى- بخلافه، سبق الكلام عن هذه المسألة إن الخيالات والأوهام التي تكون في أذهان بعض الناس ليست حقيقة الرب ولا قريبة من الحقيقة، إنما هي معاني تقرب أذهان الناس إلى الحقيقة لكنها أبعد ما تكون عن وصف الله -عز وجل- فالله أعظم وأجل من أن يخطر لنا صفاته وأفعاله ببال، والله أعلم وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
نستأذنكم في طرح سؤالي الحلقة القادمة:
السؤال الأول: ما الموقف من الصفات الفعلية ومثل لذلك؟
السؤال الثاني: قال الإمام مالك -رحمه الله تعالى- الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول اشرح ذلك بمثال؟