لماذا الأكاديمية الاسلامية
  منهج الأكاديمية
  دليــــل الأكاديمية
  هيئة التدريـــس
  التحق بالأكاديمية
 
 

الفصل الدراسي الحالي

 

مكتبة الأكاديمـــية

 

المتون العلمية

 

الجدول الدراسي

 

الأسئلة الشائــــعة

 
  موقع الشيخ ابن باز
  موقع الشيخ العثيمين
  موقع الشيخ الفوزان
  موقع الشيخ الجبرين
 

 د. عبدالكريم الخضير

   
 

 

 
 
 
استفتاءات سابقة
 
الدرس الخامس: قواعد إثبات الصفات لله -عز وجل-
فضيلة الشيخ/ د. ناصر العقل
 
مكتبة الأكاديمية - مكتبة دروس الأكاديمية - الدروس المفرغة - العقيدة - المستوى الثالث - الدرس الخامس: قواعد إثبات الصفات لله -عز وجل-

اسم المادة: العقيدة - المستوى الثالث
عدد الدروس: 13
اسم الدرس: الدرس الخامس: قواعد إثبات الصفات لله -عز وجل-
| |

الدرس الأخير الدرس التالي الدرس السابق الدرس الأول

الدرس الخامس: قواعد إثبات الصفات لله -عز وجل-

وصلنا يا شيخ في الحلقة الماضية لقول الإمام عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل .

تفضل اقرأه ثم نستكمل.

قال الإمام أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل -رضي الله عنه-: (في قول النبي -صلى الله عليه وسلم- ( إن الله ينزل إلى سماء الدنيا ) و ( إن الله يُرى في القيامة ) وما أشبه هذه الأحاديث، نؤمن بها ونصدق بها لا كيف ولا معنى ولا نرد شيئًا منها، ونعلم أن ما جاء به الرسول حق، ولا نرد على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولا نصف الله بأكثر مما وصف به نفسه بلا حد ولا غاية، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، ونقول كما قال، ونصفه بما وصف به نفسه لا نتعدى ذلك ولا يبلغه وصف الواصفين، نؤمن بالقرآن كله محكمه ومتشابهه، ولا نزيل عنه صفة من صفاته لشناعة شنعت ولا نتعدى القرآن والحديث، ولا نعلم كيف كنه ذلك إلا بتصديق الرسول -صلى الله عليه وسلم- وتثبيت القرآن) .

أحسنت، بارك الله فيك.

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

ففي الأسبوع الماضي في الدرس الماضي وقفنا عند آخر كلام الإمام أحمد، الإمام أحمد تكلم عن قواعد إثبات الصفات لله -عز وجل- أو الأخبار عن الله مما يتعلق بالصفات جاء بأنموذج النزول، كقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( إن الله ينزل إلى سماء الدنيا ) هذا من الصفات الفعلية ويسمى النزول، من نص القرآن، وهو حقيقة كما يليق بجلال الله -عز وجل- كما أسلفت.

الشيء الثاني من الأمور الغيبية: هو إثبات أن الله -عز وجل- يُقْدر عباده على رؤيته سبحانه على ما يليق بجلاله، وسيأتي الكلام عن الرؤيا -إن شاء الله- في درس قادم، وأنها تنقسم إلى نوعين:

النوع الأول: الرؤية العامة، بمعنى أن جميع الخلائق يوم القيامة يرون ربهم رؤية عامة لا نعرف تفاصيلها؛ لأنها لم ترد وهي غيب.

والنوع الثاني: رؤية خاصة، وهي رؤية المؤمنين لربهم في الجنة بأبصارهم على ما يليق بجلال الله -عز وجل-.

ثم ذكر قال: (وما أشبه هذه الأحاديث) إذن هو أراد هنا أن يضرب أنموذجا للأحاديث التي ثبتت في صفات الله -عز وجل- أو الإخبار عن الله، هي وما أشبهها ما ثبت منها يجب أن نؤمن به ونصدق ولا نكيف ولا نذكر المعنى سوى ما دلت عليه النصوص (ولا نرد شيئًا منها ) يعني من النصوص (لا نرد شيئًا منها) بمعنى: لا نرد لفظها ولا ما دلت عليه من الدلالات والحقائق، ليس الرد -كما يظن البعض- أنه رد اللفظ فقط أو رد السند، ولا شك أن هذا أيضًا محادة للدين، لكن أيضًا هناك نوع من الرد يلتبس على كثير من الناس، وهو: رد المعاني ورد الحقائق، نجد كثيرًا من المبطلين لا يجرءُون على تكذيب حديث النبي -صلى الله عليه وسلم- ولا يجرءُون على الرد المباشر فيلجئون إلى التأويل رد المعاني التي ثبتت، رد الحقائق، رد دلالات الأحاديث، وهذا النوع من الرد هو الأخطر.

إذن (لا نرد شيئًا منها) يعني: لا نرد ألفاظها ولا أسانيدها، ولا نرد حقيقتها التي دلت عليها ولا معانيها الظاهرة التي في مدارك المخاطبين، أما المعاني الغيبية فلا شك أننا لا نعلمها ولذلك لا نرده نقول: الله أعلم بمراده بالنسبة للجانب الغيبي من أخبار الصفات.

قال: (ولا نرد على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-) هذا تخصيص بعد تعميم، أراد بذلك أن يلفت النظر إلى مسألة خطيرة جدًا يجب على المسلم أن يحذر من الوقوع فيها، وهي أنه لو رد أحاديث هذه النصوص، لو رد ألفاظها وأسانيدها، لو رد معانيها أو بعض معانيها فإن ذلك يعني أنه رد على الرسول -صلى الله عليه وسلم- وهذا من أعظم الإساءة، بل هو أعظم إساءة إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

فالكلام في النصوص على غير قواعد الشرع والرد المباشر أو الرد بالتأويل لا شك أنه يعود إلى رد النبي -صلى الله عليه وسلم- وهذا قد يصل إلى حد الردة نسأل الله العافية.

معذرة نحتاج أن نذكر المشاهدين بالعبارات التالية، اقرأ النص التالي أخي الكريم.

قال الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي -رضي الله عنه-: (آمنت بالله وبما جاء عن الله على مراد الله) .

لحظة لحظة، اقرأ بما قرأته (ولا نصف الله بأكثر ...) بعد كلام الإمام أحمد مباشرة، بعد الكلام المشروح.

(ولا نصف الله بأكثر مما وصف به نفسه) .

نقف عند هذه، هذه أيضًا قاعدة عظيمة، تقابل ما سبق من قاعدة الإثبات، القاعدة الأساسية التي ينبني عليها الاعتقاد في حق الله -عز وجل- في أسمائه وصفاته وأفعاله هي إثبات ما أثبته الله لنفسه وما أثبته له رسول -صلى الله عليه وسلم- هذه القاعدة يتفرع عنها قاعدة أيضًا كبرى وعظيمة، إذا قلنا: نثبت ما أثبته الله لنفسه، وما أثبته له رسوله -صلى الله عليه وسلم- فهذا يعني بالضرورة أيضًا ألا نصف الله بأكثر مما وصف به نفسه، يعني نقف عند الإثبات ولا نزيد، ثم تقيد أو يتفرع عن هذه القاعدة القاعدة التالية اقرأ ... قال:

(بلا حد ولا غاية، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير) .

هو هنا فرع قاعدة أخرى أو القاعدة الأولى حينما لا نصف الله بأكثر مما وصف به نفسه؛ لأن الله -عز وجل- أعطانا بل علمنا ما يناسب مداركنا، ما أطلعنا الله عليه وأخبرنا به وأخبرنا به رسوله -صلى الله عليه وسلم- مما يتعلق بذات الله وأسمائه وصفاته وأفعاله هو الذي تطيقه مداركنا، ولله -عز وجل- من أوصاف الجلال والكمال، ولله -عز وجل- من الأسماء والصفات والأفعال ما لا يحصى، ولم يرد به الخبر لأن مدارك البشر لا تطيقه ولأنهم ليسوا بحاجة إليه، فمن هنا لا نصف الله بأكثر مما وصف به نفسه، ثم حينما نصف الله تأتي القاعدة الثانية، حينما نصف الله -عز وجل- بما وصف به نفسه، فإنا لا نحد هذه الصفات بكيفيات، لا نحد صفات الله وأفعاله لا بكم ولا حصر، ثم قال: (ولا غاية) يعني ولا نهاية، كمال الله لا يمكن أن تدركه مداركنا، الله -عز وجل- أعظم وأجل من أن نحد له في أذهاننا في خيالاتنا حدودا، والله -عز وجل- أعظم وأجل من أن يتصور له غاية؛ لأن الله -عز وجل- هو الكمال المطلق.

إذن الحد هنا يعني تحديد الكيفية، وحصر المكان مثلاً والغاية هي النهاية، ويعني بذلك أن عقولنا ومداركنا -نحن البشر- لا يمكن بل جميع المخلوقات لا يمكن أن تحيط بكمال الله -عز وجل- فهكذا لا تحد له حدودًا، ولا يمكن أن تتوهم له نهاية، وما يحدث من أوهام بعض الناس ما هو إلا رجم بالغيب والتخرص.

ثم قال -تقريرًا لهذه القاعدة-: (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير) هنا في قوله -عز وجل-: (ليس كمثله شيء) طرد لكل ما يمكن أن يتوهمه ويتخيله الناس ويتخيله المستمعون الذين يقرءون كلام الله، ويسمعون كلام رسوله -صلى الله عليه وسلم- كل ما يتخيلونه من الكيفيات في حقائق الغيب عمومًا وحقائق أسماء الله وصفاته وأفعاله على وجه الخصوص فإن هذه خيالات محال أن تحيط بالله، أو أن تكون هي الحقيقة على معانيه؛ لأن الله -عز وجل- ليس كمثله شيء، وما يتخيله المستمعون وغيرهم من الخيالات والأوهام مبنية على مداركهم من خلال إدراكهم للأشياء، مبنية على مداركهم من خلال إدراكهم لعالم الشهادة، والله -عز وجل- ليس كمثله شيء، إذن لا يشبه به خلقه، ولا يشبه خلقه به، وهو -مع ذلك- (هو السميع البصير) حينما نقول: (ليس كمثله شيء) لا يعني أن يجرد من الأسماء والصفات، بل تثبت له على ما يليق بجلاله.

أكمل، قال: (ونقول ...).

(ونقول كما قال، ونصف بما وصف به نفسه، لا نتعدى ذلك) .

أحسنت.

(ونقول) يعني: نعتقد في الله، ونتكلم في حق الله -عز وجل- كما قال عن نفسه، فالله أعلم بحقيقة أسمائه وصفاته من الخلق، ونصفه بما وصف به نفسه على جهة التفصيل، نقول كما قال: على جهة الإجمال والتفصيل، ونصف بما وصف به نفسه مما جاء في كتاب الله أو صح عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال عنه ربه وهو لا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى ﴿ إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى [ النجم: 4] ولا نتعدى ذلك، لا نتعدى ذلك لأن مداركنا وعقولنا أقل من أن تدرك أمور الغيب المخلوقة فكيف بالخالق؟! لأنها غيب، لا نتعدى ذلك لا بالتمثيل ولا بالتكييف ولا بالزيادة ولا بالنقص، لا نزيد ولا ننقص، لا نمثل ولا ننفي ما جاء في كتاب الله، ولا نثبت ما لم يثبت؛ لأن كل ما يمكن أن نتصوره في كيفيات الغيب في الحقائق الغيبية عن الله وأسمائه وصفاته فهو رجم بالغيب، فلا نتعدى النص، لا نتعدى ما وصف الله به نفسه، ووصف به رسوله -صلى الله عليه وسلم-.

هنا قد ينشأ سؤال وهو: ألا نصف الله -عز وجل- بكل الكمال؟ نقول: بلى، نصف الله بكل الكمال، وقد يرد بعض الكمالات على ألسنتنا أو في لغة أي لغة من اللغات، يعني التعبير عن بعض الكمالات التي الله أحق بها، نقول: نعم، لكن نعلم أن ما جاء في ألفاظ الشرع، ما جاء في ألفاظ القرآن وألفاظ النبي -صلى الله عليه وسلم- من أسماء الكمال وأوصاف الكمال لله -عز وجل- يدخل فيه كل ما يتكلم به المتكلمون بأي لغة، لا يمكن أن نعبر عن حق الله -عز وجل- وكماله جملة ولا تفصيلاً بأعظم وأفضل وأكمل مما جاء في كلام الله وعبر عنه رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

فإذن هنا لسنا بحاجة إلى أن نفترض أنه قد يحدث على ألسنة بعض الناس أن يوصف الله بكمال لم يرد في الكتاب والسنة.

ثم قال: (ولا نتعدى ذلك) كما قلت: لا نتعدى النصوص.

نعم أكمل.

(ولا يبلغه وصف الواصفين) .

نعم (ولا يبلغه وصف الواصفين) الذين يصفون الله -عز وجل- بما لم صف به نفسه، وما لم يصفه به رسوله -صلى الله عليه وسلم- لأن الذين يتكلمون في أوصاف الله بغير ما ورد به الشرع إنما يتكلمون بالأوهام والتصورات الخاطئة أو بما هو رجم بالغيب، والله -عز وجل- نهى عن هذا وحذر من هذا النصف فقال سبحانه: ﴿ قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ * يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ [ الذاريات: 10: 12] .

فكل من تكلم في أمر غريب ومما تعلق بالله من باب أولى فإنما هو متخرص، فعلى هذا فإن كمال الله لا يبلغه وصف الواصفين الذين يريدون أن يصفوا الله بأكثر مما وصف الله به نفسه بزيادة أو نقص.

(نؤمن بالقرآن كله محكمه ومتشابهه) .

نعم، بمعنى: أن كل ما جاء في كتاب الله -عز وجل- يجب أن نعتقد أنه حق وصدق وأن نسلم به ونذعن، ونعتقده يقينًا، ونستعد لقبول ما جاء به.

قال: (محكمه ومتشابهه) لأن من القرآن ما هو بين لجميع الناس، فهذا المحكم الذي يتفق عليه الجميع، ومن القرآن ما هو بين لفئات من الناس ويخفى على فئات، ومن القرآن ما لا يعلمه إلا الراسخون فهذا بيّن لمن يعلمونه مشتبه على من لا يعلمونه، فالذين لا يعلمون ما لا يعلمه غيرهم عليهم أن يسلموا بأنه حق ثم يرجعوا إلى أهل الذكر كما قال الله -عز وجل-: ﴿ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ [ النحل: 43] هناك من المتشابه ما لا يعلمه أحد؛ لأن هناك تشابها نسبيا وهناك تشابها مطلقا، التشابه النسبي هو الذي يشتبه على بعض الخلق ولا يشتبه على آخرين، فهؤلاء يرجع الناس فيهم إلى أهل العلم منهم، ومع ذلك إذا بقي الأمر مشتبهًا على من أشكل عليه شيء من القرآن فيجب أن يسلم بأنه حق ويقول: الله أعلم، كما ذكرنا في قاعدة سابقة في الدرس الماضي، يقول: الله أعلم بمراده، وليعلم وليوقن أن كلام الله حق.

لكن أعود وأقول: ومع ذلك هناك من المتشابه ما لا يعلمه إلا الله وهو الكيفيات، الغيبيات البحتة التي لم يطلع الله أحدًا من خلقه عليها، فهذا متشابه على الجميع فيجب على الجميع أن يسلموا به، وليعلموا أن الله -عز وجل- قد يبتليهم بمثل هذه الأمور ليعرف هل يقفوا عند حدوده، نعم فالمسلم الذي لا يخوض فيما لا يعلم وقف عند حدود الله، والذي يخوض في ما لا يعلم تجرأ على حدود الله فوقع في المحذور.

(ولا نزيل عنه صفة من صفاته لشناعة شُنِّعت) .

نعم، يقصد بذلك الذين تكلموا في المتشابه، أو الذين أولوا بعض الصفات لأنهم سمعوا من يتوهم أن إثبات الصفات تشبيه، أو أن إثبات الصفات تجسيد، فمن هنا بعض الذين أثرت عليهم مثل هذه الشبهات اعتبروا وصف أسماء الله -عز وجل- اعتبروا إثبات الصفات أو حينما سمعوا من بعض المئولين أو المعطلة أن إثبات الصفات يعني التشبيه والتجسيم نفروا من هذه العبارات، فاستجابوا لهذه أو تأثروا بهذه العبارات الشنيعة، فزعموا أنهم اضطروا إلى التأويل لئلا يسمعوا بهذه الشناعات أو ليدفعوها مع أن هذا ليس منهجا، يعني إساءة الأدب مع الله -عز وجل- هذه لا تنتهي، هناك صنف من الخلق من المشركين وضلال الفلاسفة وأصحاب الشبهات والمنافقين يعني لا يتأدبون مع الله -عز وجل- فنحن لا نستجيب لاستفزازاتهم في حق الله، لا نستجيب لشبهاتهم فنزيل الحق الثابت من أجل درء هذه الشبهات، لا بل نثبت على الحق، نثبت على إثبات ما أثبه الله لنفسه، وما أثبته له رسوله -صلى الله عليه وسلم- من الصفات حتى وإن سماه الآخرون تجسيما أو تمثيلا أو تشبيها أو حدودا أو غايات فنحن لا نتعلق بالأسماء، نتعلق بالمعاني، ولذلك قعد السلف لهذه المسألة بما يسمى بالألفاظ المجملة والألفاظ المشتبهة هذه لها قاعدة، فإذن قصدي هنا: لا نزيل عنه أي: عن الله -عز وجل- بمعنى: نئول صفاته أو نخرج عن اعتقادها لمجرد أن يأتي طائفة من الخلق فيصفون الصفات بالتجسيم والتمثيل والتشبيه ونحو ذلك، لأن الإنكار كما قال: (لشناعة شنعت) المقصود بها: اعتراض المعترضين وتصنيف أهل الحق بأنهم مجسمة، هذه شناعة، التشنيع هو التعيير والإنكار بغير حق، هذه الشناعة لا تحملنا على أننا نحيد عن الحق أو نتخلى عن العقيدة؛ لأن شناعات المبطلين لا تنتهي، ثم قال ...

(ولا نتعدى القرآن والحديث) .

(ولا نتعدى القرآن والحديث) بمعنى لا نتعدى ما وصف الله به نفسه، وما وصفه به رسوله -صلى الله عليه وسلم- بل نقف على ذلك، لا نتعداه بالتأويل، ولا نتعداه بالتشبيه، ولا نتعداه بالتجسيم، ولا نتعداه أيضًا بالتخلي عن الإثبات كما يسمى التفويض، بل نقف مع الحق، ولا نزيد بأكثر مما ورد في الكتاب والسنة.

(ولا نعلم كيف كنه ذلك إلا بتصديق الرسول -صلى الله عليه وسلم- وتثبيت القرآن) .

نعم، بمعنى: ما ورد عن النبي -صلى الله عليه وسلم- وقبل ذلك ما ثبت في القرآن من أوصاف الغيب، من ذكر بعض كيفيات الغيب فهذا نؤمن به، فعلى سبيل المثال من أمور الغيب الكبرى الإسراء والمعراج، الإسراء والمعراج بجملته من الأمور الغيبية، ويجب أن نؤمن أنه حدث للنبي -صلى الله عليه وسلم- على جهة اليقين بروحه وجسده، الخبر الذي ثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- عن الإسراء والمعراج فيه بعض الكيفيات المتعلقة بالغيب، فذكر لنا شيئًا عن أحوال الأنبياء في بيت المقدس حين صلى بهم، ذكر أوصاف بعض الأنبياء، ذكر مقامات الأنبياء في السماوات، ذكر النبي -صلى الله عليه وسلم- سدرة المنتهى، ذكر مقامًا له -صلى الله عليه وسلم- لم يصله جبريل -عليه السلام- هذه الأمور كيفيات، لكن نقف عندها، إذن يقال: لا نتكلم بكيفيات الغيب وأسماء الله وصفاته وأفعاله وما وردنا من ذلك إلا بما ورد في النص فنصدق الرسول -صلى الله عليه وسلم- فيه، وقبل ذلك نصدق القرآن.

قال الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي -رضي الله عنه-: (آمنت بالله وبما جاء عن الله على مراد الله، وآمنت برسول الله، وبما جاء عن رسول الله على مراد رسول الله) .

أحسنت.

هذه أيضًا قاعدة عظيمة قال بها هذا الإمام المطلبي القرشي محمد بن إدريس الشافعي أحد الأئمة الأربعة الكبار المتبوعين بين المسلمين، هذا الإمام من أعظم الأئمة الذين رسموا منهج السنة والجماعة، من أعظم الأئمة الذين كانت مواقفهم في تثبيت السنة وأهلها في الاجتهاد في أمور الدين الاجتهادية، أيضًا في الدفاع عن الحق ورد الباطل في الرد على المخالفين، هذا الإمام إمام سنة متبوع، ولا يزال له مذهب متبوع بين أهل السنة والجماعة يسمى مذهب الشافعي، لكن لا أنسى من باب النصح للمسلمين جميعًا أن أنبه على أمر هو مسألة ازدواجية عند بعض المسلمين في الانتماء لأئمة السنة الأربعة، هذه الازدواجية هي في الحقيقة من الأمور التي لا تليق شرعًا ولا تصح عقلاً ولا تثبت أمام البحث العلمي المتجرد، وهي أن كثيرين ممن ينتسبون لهذا الإمام الكبير ينتسبون له في الاجتهاديات، ولا ينتسبون له مما هو قدوة فيه في العقيدة، وهذا لا شك أنه تناقض، كيف تجعلونه إمامكم في السنة في الاجتهاديات والفقه، ثم تنسون ما هو أولى وأعظم من ذلك وهو أصول الدين وثوابت الدين؟ وهذا ليس فقط في بعض الشافعية بل في جميع المذاهب، يعني من أتباع الإمام أبي حنيفة وأتباع الشافعي وأتباع مالك وأتباع الإمام أحمد بن حنبل كلهم في أتباعهم من خرجوا على أصولهم في العقيدة، ولا شك أن هذا تناقض.

الإمام الشافعي هنا رسم منهجًا عظيمًا يجب أن يترسمه كل مسلم، وهذا مما يجمع عليه أئمة السنة، قال: (آمنت بالله) يعني بذاته وأسمائه وصفاته (ثم بما جاء عن الله) يعني: في القرآن والسنة، ما ثبت عن الله بأي طريق من طرق الثبوت الشرعية طرق الوحي.

مما جاء عن الله -عز وجل- أمور الغيب، أمور الغيب لا نعلم جميع مراد الله فيها، لكن نؤمن بأن الله -عز وجل- أراد الحق، أراد الحقيقة لأن القرآن جاء بلسان عربي مبين، ولأن النبي -صلى الله عليه وسلم- مبلغ عن الله وأوتي جوامع الكلم.

إذن نؤمن بالله وبما جاء عن الله عن طريق القرآن وعن طريق رسوله -صلى الله عليه وسلم- على مراد الله، أي كما أراد الله، بمعنى: إن عرفنا المراد بها ونعمت، ما عرفنا المراد فقد لا نعرف في كثير خاصة في الأمور الغيبية وبأخص في أسماء الله وصفاته وأفعاله وهي موضوع الدرس، لا نعلم كثيرا من مراد الله، لكن نعلم أن الله أراد الحق، لكن ليس كل مراد الله نعلمه، نعلم ما تدركه مداركنا، نعلم أن كلام الله حقائق، لكن ليس كل المراد خاصة الكيفيات نعلمها.

إذن نسلم ونؤمن بمراد الله، ما علمنا منه تيقناه، وما لم نعلمه سلمناه لله وعلمنا أنه يقين ونفوضه إلى علم الله -عز وجل- تفويض الإثبات لا تفويض الشك والريب.

ثم قال: (وآمنت برسول الله) كذلك الأول مقتضى شهادة أن لا إله إلا الله، وهذا الثاني هو مقتضى شهادة أم محمدًا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- (وآمنت برسول الله -صلى الله عليه وسلم- وبما جاء عن رسول الله على مراد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-) نفس القاعدة السابقة؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- أخبرنا عن أمور كثيرة، من هذه الأمور ما ندركه، ومنها ما لا ندركه، ونعلم أن مراد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مراد حق، أراد الحق فلنقف على هذا الحق إن أدركناه بها ونعمت، وإن لم ندركه فلنسلم أن النبي -صلى الله عليه وسلم- بلغ عن الله، وأنه بلغ الحقيقة من غير تأويل ولا امتحان لأنه ما أراد أن يمتحنا بأن نقع في الغيب، إنما أراد أن نسلم، نعم.

(وعلى هذا درج السلف وأئمة الخلف -رضي الله عنهم- كلهم متفقون على الإقرار) .

أحسنت، نقف على العبارة الأولى.

قال: (وعلى هذ) أي: على الإقرار بهذه القواعد العظيمة والتسليم والإذعان والإيمان بمراد الله -عز وجل- وأنه الحق، وبمراد الرسول -صلى الله عليه وسلم- وأنه أراد الحق، هذا وغيره من الأصول السابقة واللاحقة هذا الذي سار عليه السلف، السلف الصالح كلهم، وهنا مثل هذه العبارة كلمة السلف، طبعًا هي مقيدة بمعنى لكنه عند الإجمال لا نحتاج إلى التقييدات، المقصود بالسلف: أئمة الحق الذين سلفوا، الذين مضوا على الحق، ليس كل سلف، إنما السلف الصالح، لكن إذا كان الأمر في تقرير الحق وقيلت كلمة السلف حتى لو ما وصفناهم بالصالحين أو السلف فإنه يعنى بهم على مراد الشخص المتكلم إذا كان من أهل الحق، أنه يقصد بهم السلف الذين سلفوا على الحق، الذين سبقونا من أئمة الحق وأتباعهم حتى من عامة المسلمين، بعض الناس قد يفهم من السلف هم فقط أئمة الإسلام، وهم أولاً الرسول -صلى الله عليه وسلم- والصحابة والتابعين ويقصر الأمر على العلماء، لا، السلف هم العلماء ومن تبع العلماء من أدنى العامة هم كلهم سلف، سلفوا على المنهج الصالح.

قال: (وأئمة الخلف) هذه كلمة قد تشكل، هل أئمة الخلف غير السلف؟ هنا لابد من التوضيح، يقصد هنا بأئمة الخلف أن بعض العلماء قسم قرون الأمة وتاريخ الأمة من حيث استقامة المنهج إلى قسمين:

القسم الأول: القرون الفاضلة التي ثبتت فيها مناهج الإسلام، مناهج الدين، وهي القرون الثلاثة الفاضلة، فهؤلاء يسمون سلف أئمة الهدى منهم يسمون سلف بإجماع، بعضهم لا يسمي من جاء بعد القرون الفاضلة أو بعد القرن الأول يوجد خلاف كبير في هذا، بعضهم قد لا يسمي هذه الأجيال سلفا، لكن يسميهم خلف خلفوهم على خير، لكن العبارة أيضًا موهمة، لأن الاصطلاح أحيانًا هذا قد يستعمل على وجه آخر وهو أن بعض أئمة الإسلام يقسمون ورثة العلم أو يقسمون الذين يتلقى عنهم العلم إلى قسمين:

قسم السلف: وهم أصحاب المنهج السليم في كل عصر إلى قيام الساعة.

وقسم الخلف: وهم الذين خالفوا منهج السلف في بعض الأمور أو في كل الأمور، فمن هنا الاصطلاح الآخر يقسم المسلمين أو علماء الأمة إلى قسمين: السلف الذين بقوا على نهج النبي -صلى الله عليه وسلم- والصحابة ونهج السنة والجماعة، والخلف الذين خالفوا نهج السنة والجماعة وهم أهل البدع، لكن ليس هذا هو المقصود في هذا المقام، المقصود هنا الذين خلفوا أي جاءوا بعد القرون الفاضلة من أهل الحق والاعتدال من علماء الأمة، وإلا فليس كل السلف يُعَدلون، يعني السلف تاريخيًا لكن السلف الصالح كلهم عدول، وليس كل الخلف مجروحين، بل الذين خلفوا على مناهج مخالفة.

(وعلى هذا درج السلف وأئمة الخلف -رضي الله عنهم- كلهم متفقون على الإقرار والإمرار والإثبات لما ورد من الصفات في كتاب الله، وسنة رسوله من غير تعرض لتأويله) .

أحسنت.

في هذا المقطع ذكر أربعة أصول عظيمة جدًا هي عبارة عن قواعد في الإثبات، قواعد تدل عليها قطعيات النصوص وإجماع السلف الصالح، لما قال: (وعلى هذا) أي في الإثبات، وكتفصيل قواعد الإثبات والنفي درج السلف كلهم وحتى الأئمة الذين جاءوا بعد القرون الثلاثة الفاضلة أئمة الخلف -رضي الله عنهم- كلهم اتفقوا على هذه القواعد.

يقول: ما الفرق بين التسليم والقبول؟ .

أحسنت.

الحقيقة هذه العبارات غالبا معانيها مترادفة، تأتي من باب تثبيت المعنى في قلب القارئ أو السامع؛ لأن بعض الناس قد يفهم كلمة تسليم أكثر مما يفهم كلمة قبول، القبول شرح للتسليم، أو بيان لمعنى التسليم، لكن ومع ذلك بينهما بعض الفروق، التسليم أوسع من القبول.

تقول: يا شيخ العقيدة هي مهمة جدًا في سلامة عمل العبد، نلاحظ يا شيخ أن جانب العقيدة لم تحظَ بالاهتمام الكبير في توعية عامة الناس، نجد الاهتمام البالغ عند طلبة العلم فقط، لكن العوام الذين هم بأمس الحاجة إلى معرفة سلامة العقيدة أجد أن الدروس في مادة العقيدة عند العامة قليلة، يعني خاصة نحن الآن نعيش في ظل المملكة العربية السعودية -بحمد الله- تمنع دخول أي كتاب يعني ما كنا الأول نشعر بقيمة الحث على هذه المادة، لأنها ما كانت تدخل علينا كتب فيها جانب التعطيل والتشبيه وما إلى ذلك، لكن الآن أصبح الانفتاح -كما تعلمون يا شيخنا الإنترنت وغيرها أصبح اطلاع الشباب على كثير من الكتب الفاسدة، والتي أنا أرى أننا بحاجة شديدة إلى التحذير منها أعتقد أننا نحن بحاجة ماسة إلى ليس فقط طلاب العلم أن يهتموا بهذه المادة بقدر ما يحث عامة الناس، وأن يجب أن تكون هذه الدروس في هذه المادة بالذات؛ لأنها هي الانطلاقة إلى العمل المقبول عند الله -عز وجل- وجزاك الله خيرً .

نعود إلى سؤال الأخ الكريم: القبول والتسليم .

بين التسليم والقبول أيضًا بعض وجوه الفروق، فالتسليم أشمل من القبول، التسليم غالبًا يتعلق بخضوع القلب واستعداده، التسليم غالبًا يتعلق بيقين القلب وخضوعه واستعداده وتصديقه وما يكون في القلب من تثبيت الحق، هذا هو التسليم، أما القبول فغالبًا يكون الاستعداد للعمل، هذا هو الغالب، ومع ذلك كما قلت: العبارتان تتناوبان في المعنى، لكن التسليم غالبًا هو خضوع القلب واستعداده، ثم القبول هو التنفيذ بناءً على التنفيذ.

نعود إلى الاقتراح.

في الحقيقة هذا الاقتراح قيم جدًا، أنه ينبغي أن نُعنى بدروس العقيدة أكثر، مع أن دروس العقيدة بحمد الله موفورة، يعني لابد أن نشير إلى حقيقة موجودة، وهذا من التحدث بنعمة الله -عز وجل- علينا في هذه البلاد بخاصة، وهو أن دروس العقيدة موفورة، لكن هل هي بالقدر الكافي؟ أنا أرى أنها ليست بالقدر الكافي، وأيضًا لابد أن نشير في هذا المقام إلى ما تحظى به بلادنا هذه البلاد المملكة العربية السعودية -حفظها الله وجميع بلاد المسلمين من كل سوء- ما تحظى به من عناية بالعقيدة وثوابت الدين التي عليها ركيزة بقاء المجتمع والأمة من خلال مناهج التعليم، بقدر في الحقيقة جيد ووافٍ، وهذا ما أقلق الكثيرين ممن يحسدوننا من أعداء الأمة، أو من المنافقين في الداخل الذين أزعجهم وجود هذه الثوابت وتلقينها للأجيال، فصاروا ينهشون الآن في هذه الثوابت من خلال النقد غير المرشَّد لجانب العقيدة خاصة في مناهج التعليم، نعم النقد مقبول وتوجيه الأجيال عبر مناهج على ضوء العقيدة وتسديد هذه المناهج هذا أمر مطلوب ومقبول، لكن أرى أن الأمر زاد عن حد المصلحة إلى الوقوع في مفاسد كبرى.

أعود وأقول: الدروس الحمد لله موفورة، لكن مع ذلك الإكثار منها ضروري لاعتبارات أشارت إليها صاحبة هذا الاقتراح الطيب -جزاها الله خيرًا- وهي أن العقيدة ليست تخصصا، العقيدة واجب كل مسلم، تنبني عليه حياته العلمية والمادية وحتى حينما نعد المواطن كمواطن صالح يخدم الأمة في مجالات الحياة، حتى لو لم يكن طالب علم شرعي أو عالما، حتى في مجالات الحياة المادية التي هي الآن تقوية الأمة بها مطلب ضروري، لكن الضرورة الأولى هي أن نبني هذا الشخص قبل أن يخدم أمته في جوانب الحياة الأخرى، أن نبنيه بناءً عقديا رصينا من أجل أن يكون شخصا سويا يخدم ثوابت الأمة، الأمة لها ثوابت ننطلق منها، أول هذه الثوابت على جميع المسلمين أو جميع الأمة أن تعلم أجيالها العقيدة وجميع أفرادها، فمن هنا أؤكد على مثل هذا الاقتراح القيم.

يقول: جاء في الكتاب التسليم بأحاديث النبي -صلى الله عليه وسلم- ومن المعلوم يا فضيلة الشيخ أن غالبية العوام أو طلبة العلم المبتدئين لا توجد لديهم ملكة الحكم على الحديث، وكثير من العوام لا يعرفون الأحاديث صحيحها وضعيفها، فمثلاً قد يرد على أحدهم حديث مثلاً ورد في الدارقطني، بـ ( أتاني ربي في أحسن صورة ) وكذا، مثل هذه الأحاديث، فهل هناك يا شيخ قاعدة مجملة نستطيع بها حماية العوام من هذه الدواخل على العقيدة التي قد تضر بهم أو تأتيهم بشبه لا يسهل التخلص منها؟ .

أحسنت، نعم في الحقيقة الأخ الكريم يعني هنا ركز على مسألة ربما تكون في نفوس كثيرين، هو أنه إذا سمع غير المتخصص أو طالب العلم المبتدئ أو العامي من المسلمين بحديث قد يكون لا يفهم معناه، أو يشكل عليه فهمه، أو يظن أن هذا الحديث قد يكون فيه بعض التساؤلات ثم لا يدري هذا الحديث ثابت أو لم يثبت، طبعًا إذا سمع المسلم مثل هذه النصوص ولا يدري عن مدى ثبوتها، فله أن يتوقف حتى يسأل، لكن عليه أن يسأل ما دام الحديث يتعلق بأساسيات دينه عليه أن يسأل ﴿ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ [ النحل: 43] لاسيما في مثل هذا الوقت توافرت وسائل التثبت من النصوص بشكل لا يُعذر فيه أحد، فإذن يتثبت، الطريق هو أن يكون هناك تثبت.

نعود إلى القراءة.

نعم نكمل .

ثم قال: هنا عندنا قواعد أشار إليها، وهي إجابة على بعض الأسئلة التي وردت، السلف من أهل السنة والجماعة متفقون على القواعد التالية، الإقرار، يعني الإقرار بما جاء عن الله وثبت عن رسوله -صلى الله عليه وسلم- نصدق به نثبته، الإقرار نقر بأنه حق، ثم قال القاعدة الثانية: (الإمرار) معنى الإمرار يشرحه ما بعده، يعني الإمرار ما هو إمرار التخلص كما يفهم بعض الناس قال مرره: أي مَشِّهِ ، لا الإمرار بمعنى أن نمره في قالب القناعة بأنه حق، لكن نمره بلا مناقشة اعتراض وبلا شبهات، وبلا تشكيك، نمره دون وقوف عند ما لا نعلمه، نمشيه على قالب الحق لا على قالب التخلص منه، الإمرار ليس هنا ليس إمرار التخلص أو التفويض السلبي، إنما إمرار اليقين الذي يسلم لله -عز وجل-، فهنا المرار يعني التسليم.

هذه القاعدة الثانية، ثم قال: القاعدة الثالثة: الإثبات، الإثبات نتيجة للإقرار والإمرار، وهي أيضًا قاعدة احتياطية، حينما قلنا: الإقرار، ثم قلنا: الإمرار فلا يعني ذلك عدم الإثبات، بعض الناس يقول: أقر، لكن لا أدري، أمرر لكني أتوقف، نقول: لا، الإقرار القاعدة الأولى، والإمرار القاعدة الثانية يعني بالضرورة الإثبات، إثبات ما ورد في صفات الله -عز وجل- وأسمائه وأفعاله في كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- ثم تأتي القاعدة الرابعة وهي قاعدة احتياطية، هذه ترد في جميع قواعد الشرع، أنه لابد عند الإثبات الحق من الاحتياط مما يرد من أوهام، منهج الرد، رد الباطل، وهنا أنبه على مفهوم خاطئ عند الذين يتخوفون من الردود، هم أن يظنون أن الردود إنما هي ردود أفعال ردود على الباطل أو أن الردود تعني حماية الرأي ضد الرأي الآخر، لا، فالردود سياج لابد منه، سياج ضروري لحماية الحق، حينما تثبت الحق لابد ترد الباطل لئلا يرد إليه، فمن هنا ترد القاعدة الرابعة: (من غير تعرض لتأويله).

بعض الناس يقول: إذا أقررت وأمررت وأثبت توهمت التشبيه، توهمت التمثيل في حق الله -عز وجل- وفي الغيبيات، توهمت الكيفية، إذن لابد أن أُءَوِّل، نقول: وهمك تطرده ولا تئول، التأويل سبق شرحه الذي هو الخروج عن الإثبات في حقائق أسماء الله وصفاته وأفعاله إلى معانٍ محتملة، هروبًا من التشبيه والتجسيم، نقول: لا أنت أولاً اهرب من التجسيم والتشبيه ولا تئول، اعلم أن كلام الله وكلام رسوله حق على حقيقته على ما يليق بجلال الله، ولا تتعرض له لا بتشبيه وتمثيل ولا بتأويل.

(وقد أُمِرنا بالاقتفاء لآثارهم والاهتداء بمنارهم) .

نعم أحسنت، هنا تنبيه عظيم جدًا وهو أنه إذا كان هذا هو منهج السلف، إذا كانت هذه قواعد السلف، إذا كانت هذه ثوابت الدين التي قررها السلف على نهج شرعي سليم أجمعوا عليها، هل هذه الأمور والمعاني والقواعد تخصهم؟ هل هذه دينهم فقط؟ أو هي دين الأمة؟ إذن يجب أن نتبع ونقتدي لا اتباع الأعمى واقتداء غير بصيرة لكن ﴿ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ [ الأنعام: 90] كما أمرنا الله -عز وجل- وكما أرشدنا الرسول -صلى الله عليه وسلم- باتباع سبيل المؤمنين، إذن ما دامت هذه القواعد فهذه ليست تخصهم، بل يجب أن نفعل ذلك لأننا أُمرنا بالاقتداء بآثارهم والاهتداء بمنارهم فنحن نعتقد ما اعتقدوا، ونقول ما قالوا، وندين لله بذلك لأن هذا هو سبيل الحق، وما عداه سُبُل، وحين نتبع ونهتدي ونقتدي إنما نمتثل أمر الله وأمر رسوله -صلى الله عليه وسلم- بذلك لا مجرد تعصب، ولا مجرد تشهي ولا هوى، إنها هو منهاج الدين، نسأل الله للجميع التوفيق، والآن نترك الفرصة للإخوة الطلبة وغيرهم إذا كان هناك أسئلة.

تقول: بالنسبة للحديث القدسي: ( من أتاني يمشي أتيته هرولة ) والحديث الآخر: ( إن الله لا يمل حتى تملوا ) هل من فَسَرَ ذلك بأنه من باب المشاكلة والجزاء يكون قد أَوَّلَ اللفظ وأخرجه عن معناه؟ وهم يستدلون بأنها كقوله تعالى: ﴿ وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا [ الشورى: 40] ؟ .

هذا سؤال جيد، طبعًا ستأتي له قاعدة تفصيلة في الدروس القادمة، لكن ما دام ورد فهذه الألفاظ وما في معناها للسلف فيها قواعد ذهبية عظيمة، أُذَكر ببعضها:

القاعدة الأولى: أن أي نص يأتي مقابل أفعال العباد بشكل صريح فإنه لابد أن يذكر لازمه، بمعنى أنه جاء ذكر المهرولة هنا مقابل المشي من العباد، ونحن نعلم أن هذا لم يعد تصويرا لعالم الغيب، بل فيه جزء من عالم الشهادة، ما هو عالم الشهادة الذي نعلمه؟ الذي نعلمه أن العباد حينما يعبدون الله -عز وجل- يعبدونه بالصلاة والصيام والحج وسائر العبادات، هذه تسمى مشيا إلى الله -عز وجل- يعني سيرا في طريق العبادة، ليس المشي بمعناه الكيفي الذي هو المشي بالأرجل فقط، فمن هنا أيضًا النص الذي جاء يقابله عرفنا أن من لوازمه أن هذا جاء من باب الجزاء، فيجازيه الله -عز وجل- بأعظم مما فعل، لكن كلمة هرولة أيضًا لها قاعدة ثانية، وهي أن مثل هذه الألفاظ هي حقائق عن الله -عز وجل- لا نثبتها لله على نحو ما هو معهود عند البشر؛ لأن الله -عز وجل- ليس كمثله شيء، لكن نثبت أنها حقيقة على ما يليق بجلال الله، إذن عندنا اللفظ وحقيقته، وعندنا لازم اللفظ، فلازم اللفظ معلوم؛ لأنه ربط العمل بالجزاء، فالعمل هو مشي العباد إليه -عز وجل- بالعبادات، والجزاء هو يعني أن الله -عز وجل- يضاعف لهم الجزاء.

الجانب الآخر أعود مرة ثانية للفظ هرولة: هذا من الألفاظ الغيبية، لا نخوض فيها، وهذا هو الذي ينطبق عليها قول الصحابة: «أمِرُّوها كما جاءت» ينطبق على مثل هذه الألفاظ المجملة المحتملة لمعانٍ، فهي حقيقة على ما يليق بجلال الله، والتشبيه الذي يتوهمه المئولة ممنوع قطعًا فمن هنا لا نزيد عن أن نقول: الله أعلم بمراده، وكلام رسوله -صلى الله عليه وسلم- حق على حقيقته.

يقول: ما حكم من يثبت الصفة ويفوض المعنى؟ .

أول شيء هذا تناقض، هذه يسمونها المعادلة الصعبة، أو من ناحية موضوعية علمية عقلية بدهية لا يمكن يثبت ثم يفوض، لأنه أثبت أولاً ثم نكص وخرج عن الإثبات، التفويض هو عدم اعتقاد شيء، أليس كذلك؟ إذن هو ما أثبت، لكن للتفويض معنى أحيانًا يقصد به تفويض الكيفيات، فهذا لا دخل له بالإثبات، الإثبات هو أن نثبت ما ورد من حقائق ألفاظ الأسماء والصفات لله -عز وجل- على أنها حق على حقيقتها، وهذا غير قابل للتفويض، أما المعاني الغيبية فنعم يفوض أمرها لله، ولكن بمثل هذا التعبير لا يستقيم الأمر، إذا أثبتنا فما نثبته لا نفوضه.

يقول: المؤلف يقول: (وحذرنا من المحدثات، وأخبرنا أنها من الضلالات) فضيلة الشيخ توجد بعض المسائل في الإسلام في بدايتها حذر منها أو توقف أمهامها الصحابة والسلف مثل رد عمرو بن الخطاب لتدوين ما سوى القرآن في وقته، ومثل اعتراض بعض أئمة السلف على تدوين الفقه في وضع مسائل خالية من الأثر، ومثل اعتراضات الإمام أحمد بن حنبل في تدوين التفصيل في أعمال القلوب، والتفصيل في بعض المسائل كقولهم: نطقي بالقرآن مخلوق وكذلك، ولكن هذه أُقرت فيما بعد فهل بقيت من المحدثات إلى الآن أم ماذا؟ .

لا على أي حال أغلب ما ذكرته يدخل في باب الوسائل الاجتهادية، فمن هنا الأمر -إن شاء الله- سهل.

يقول: إذا ثبت فيما بعد أنه كان الاعتراض للتبيين لا يعتبر محدث نعم، قد يشكل على بعض الأئمة ومنهم الصحابة بعض أمور هي من الثوابت لكن عندما ترد يكون لهم توهمات معينة لأنهم بشر ثم يعودوا إلى الحق؛ ولذلك سيأتي ذكر أن جميع ثوابت الدين لا خلاف عليها منذ عهد الصحابة إلى يومنا هذا، ومن هنا يحسم الأمر بهذه القاعدة العظيمة.

ونسأل الله الجميع التوفيق والسداد، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

 

 




الدرس الأخير الدرس التالي الدرس السابق الدرس الأول


أعلى الصفحة
 
أرسل لصديق
أضف تعليقاً عرض التعليقات أضف تعليقاً
اضف إلى المفضلة
 المعدل 0.00 من 5التصويتات 0تقييم العنصر: 
نسخة للطباعة عدد القراءات 1766