إعلان نتيجة الفصل الرابع وختام المرحلة الثالثة   تهنئة عيد الفطر المبارك   ختام فاعليات المرحلة الثالثة بالأكاديمية الإسلامية المفتوحة   دورة أحكام التجويد للشيخ رشاد هيكل   الشيخ صالح آل الشيخ وزيرا للشؤون الإسلامية
عدد المشاهدات : 2794

/academy-lessons/3rd-year/1st-class/3olom-hadeeth-3rd-level/ahs103-220108.rm /academy-lessons/3rd-year/1st-class/3olom-hadeeth-3rd-level/ahs103-220108.rm

 

علوم الحديث - المستوى الثالث

الدرس الثالث والعشرون

الشذوذ والعلة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:

في المحاضرة الماضية نحن بدأنا تطبيقًا عمليًّا في كشف الرواة وطريقة البحث عنهم، وذكرنا حديثًا من عند الإمام النسائي، وهو الحديث الذي قال فيه النسائي: "أخبرنا إسماعيل بن مسعود، قال: حدثنا خالد بن الحارث، قال: حدثنا حسين المعلم عن عمرو بن شعيب أن أباه حدثه عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قام خطيبًا في حجة الوداع" وذكر الحديث.

وعرفنا كيف نبحث عن الراوي وكيف نتوصل إليه في موطنه من الكتاب، فعرفنا أن شيخ النسائي إسماعيل بن مسعود هو الجحدري وأنه ثقة، وأن خالد بن الحارث ثقة ثبت أثنى عليه الأئمة ثناءً عطرًا كأحمد ويحيى القطان، وأن حسين المعلم أيضًا صدوق، يعني ثقة له أوهام، أو نحو ذلك، ثقة ربما وَهِمَ على كلام الحافظ في "تقريب التهذيب" وقلنا: إن عمرو بن شعيب صدوق وهو ثابت السماع من أبيه، عمرو ثابت السماع من أبيه، وأن العبرة في الكلام على أسانيد عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده هي بحال الرواة عن عمرو، وهناك -كما قلت- الذهبي -رحمه الله تعالى- قسم الرواة عن عمرو إلى ثلاثة طبقات: المتقنون، والمتوسطون، والضعفاء أمثال ابن لهيعة والمثنى بن الصباح والحجاج بن أرطاة وغيرهم، فالضعفاء لا تقبل روايتهم، والمتوسطون حصل فيهم تردد وهم إلى الترك أقرب، أما المتقنون كحسين المعلم وغيره، حماد بن أسامة، هؤلاء مقبولون ورواياتهم صحيحة.

ثم إن عمرو بن شعيب سمع صَبَحَ بالسماع من أبيه، وأبوه شعيب ثابت السماع من جده عبد الله بن عمرو، وتكلمنا على قواعد البحث في الإسناد وهي الاتصال، والعدالة، والضبط، وبقي الكلام على الشذوذ والعلة، فنقرأ الكلام النظري ثم نأخذ نموذجًا آخر من خارج الكتب الستة، من سنن الدارقطني كما ذكر الشيخ هنا، ثم نذكر بعد ذلك -إن شاء الله تعالى- مثالاً تطبيقيًّا واسعًا على التخريج وعلى دراسة الأسانيد ليكون -إن شاء الله تعالى- نموذجًا يُحتذى في البحث والدراسة، نكمل -إن شاء الله تعالى- يا شيخ في الكلام على الشذوذ والعلة من صفحة 197.

قال المصنف -رحمه الله تعالى-: (البحث عن الشذوذ والعلة وصعوبته: أما البحث عن الشذوذ والعلة فهو أمر أصعب بكثير من البحث في عدالة الرواة وضبطهم، واتصال السند؛ لأن الكشف على الشذوذ والعلة إثباتًا أو نفيًا أمر لا يقوى عليه إلا صاحب الاطلاع الواسع جدًّا على متون الأحاديث وأسانيدها، حتى يمكنه معرفة اتفاق أسانيد هذا الحديث في جميع الطرق التي ورد بها الحديث أو عدم اتفاقها، وقد ذكر علماء المصطلح أن العلة تطرق إلى الإسناد الذي رجاله ثقات، الجامع شروط الصحة من حيث الظاهر).

أشرح هذه الكلمة بشيء من التفصيل، هو طبعًا المنهج الذي اتبعناه في الأكاديمية في مادة "التخريج ودراسة الأسانيد" إنما هو خطاب للمبتدئين في دراسة هذا العلم، فهذه المرحلة لو خرج منها الدارس بتعلم كيفية استخراج الأحاديث من بطون الكتب وكيفية استخراج التراجم من كتب التراجم، فقد نجحنا في هذا نجاحًا عظيمًا، المرحلة التي تلي ذلك، هي مسألة جمع الطرق، يعني معرفة أماكن الحديث في جميع الكتب، ومقارنة هذه الأسانيد بعضها لبعض، ومعرفة مواطن الالتقاء التي هي تسمى عند علماء الحديث بالمدار، يعني هذا الحديث مداره على مَن مِنَ الرواة، ثم معرفة مواطن الخلاف على الراوي، ثم الكشف عن العلة التي هي آخر مرحلة في مراحل البحث، والتي تحتاج إلى تمكن وإلى دربة وإلى ممارسة, وإلى تطبيق عملي يصل إلى مرحلة أن يكون الطالب حافظًا لمناهج الأئمة في كتبهم؛ يعني يقول مثلاً وهو يدرس قد عرف تسلسل كتب البخاري، البخاري مثلاً يبدأ بكتاب الوحي ويثني بالإيمان وبعد ذلك العلم، وبعد ذلك الوضوء والطهارة ونحو ذلك والصلاة، فهو يعرف خط سير الكتب، ويروح ويجيء عليها كثيرًا، وإذا قابله إسناد في كتاب يستطيع بهذه الملكة أن يعرف هذا إسناد لمن، ونحو ذلك من الممارسات الطويلة التي ترشح الطالب بعد ذلك لأن ينظر في كشف العلة، وأن يتمرس عليها وأن يتدرب عليها، فالكلام على الشذوذ والعلة هذا يعتبر في آخر مراحل الطلب، فيما يتعلق بقضية التخريج ودراسة الأسانيد، لكن نحن نشير مجرد إشارة إلى أن مسألة العلة تحتاج إلى طالب أولاً انتهى من دراسة الجانب النظري؛ بمعنى أنه درس قواعد المصطلح بشكل جيد على أيدي شيوخه، يعني قرأ مثلاً النخبة وشرحها، قرأ مقدمة ابن الصلاح، حفظ ألفية من ألفيات السيوطي أو العراقي وقرأ شرحها، التبصرة والتذكرة مثلاً فيكون الجانب النظري عنده مهضوم ومستوعب، ويدري في المسائل المتشابهة في قضايا المصطلح يفرق بين هذا وذاك، هذه واحدة، ثم يمارس الاستخراج بشكل واسع، والكلام على الرواة والأسانيد بشكل واسع، فإذا قضى هذا القدر من التأهيل العلمي استطاع أن يتكلم أو أن يفهم لا أقول يتكلم أن يفهم الكلام في مسألة العلل.

الأئمة متفقون على أن الحديث لن يستطيع الطالب أن يتفهمه إلا بجمع طرقه، ومقارنة هذه الطرق بعضها ببعض، هذه الجزئية من البحث هي المنتهى في دراسة علم الحديث.

وكانوا يقولون: إن علم الحديث إلهام، يعني ينقدح في قلب الناقد أن هذا الحديث فيه علة ولا يستطيع أن يذكر مبررًا لهذا التعليل، وضربت قبل ذلك مثالاً بحال محمد بن الحسن الشيباني، وهو مقدَّم الحنفية في الفقه وتلميذ أبي حنيفة، وهو أخذ جملة من الأحاديث وذهب بها إلى أبي حاتم وسأله عنها فقال أبو حاتم: هذا باطل، وهذا منكر وهذا ضعيف وهذا صالح، فقال: أين الدليل؟ قال: علم عُلِّمْنَاه، يعني شيء انقدح في قلوبنا، ولكن خذ هذه الأحاديث واذهب بها إلى أبي زرعة، فإن اتفقت كلمتنا فذلك علم، وإلا فإن كل واحد تكلم بما في رأسه، فأخذ الأحاديث وذهب إلى أبي زرعة فالذي قال فيه أبو حاتم ضعيف قال فيه ضعيف، والذي قال فيه منكر قال باطل، والباطل والمنكر قريب والذي قال فيه موضوع قال موضوع، والذي قال صالح الاحتجاج قال صالح الاحتجاج، ثم ذهب إلى محمد بن مسلم بن وارة وقال نفس الكلام، فعلم أن هؤلاء القوم إنما صدروا عن علم لم يصدروا عن هوى.

طبعًا الوصول إلى هذا المستوى من النظر هذه إنما ينظر فيها إن قلنا مَن في العالم الإسلامي اليوم يستطيع أن ينظر وأن يكتشف علل الأحاديث لا تكاد تحصي أصابع اليد الواحدة عند المبالغة على مستوى العالم الإسلامي الذي يتخطى المليار ونصف، لماذا؟ لأن هذه مسألة تحتاج إلى عمر طويل عشرين سنة ثلاثين سنة من الممارسات والدربة والأخذ والرد والمراجعات، وغير ذلك، وأنا أرى أن الذي يُرشح لمثل هذا الكلام في مصر هو شيخنا الشيخ "محمد عمرو عبد اللطيف" هذا يعتبر أعلى كعب في هذه القضية؛ قضية النظر في علل الأحاديث، ولا أزكيه على الله -عز وجل- حتى إن الشيخ كثيرًا ما يرجع.. الكتب القديمة لا يسمح بطباعتها، لماذا؟ لأنه استبان له أن كثيرًا من الكلام فيها كان ببادئ النظر. والعلماء لهم كلام في مسألة الحكم على الظاهر، يعني إن الحكم على الأسانيد من ظاهرها هذا خطأ، يعني كون الراوي ثقة والذي بعده ثقة، والذي بعده ثقة، والذي بعده ثقة، والذي بعده الصحابي يبقى الحديث صحيح؟ هذا الكلام ببادئ النظر؛ لأنه قد يكون الثقة يروي عن ثقة وفي الحديث علة، إن الراوي سمع من شيخه بعد الاختلاط، أنه لم يسمع منه هذا الحديث بعينه، أنه لما سمع هذا الحديث منه ضاعت أوراقه فحدث من حفظه فحصل الوهم في حديثه، هذه مسائل لها اعتبارات وقرائن، وكل حديث له قصة وحده، يعني ليست هناك قاعدة مضطردة مثل القواعد الرياضية للحكم بها على علل الأحاديث، وإنما الحديث تجمع طرقه وتظل تتأمل فيها وتقارن وتنظر في المدار ومواطن الاتفاق، ومواطن الالتقاء، ومواطن الاختلاف حتى يهديك الله -عز وجل- إلى معرفة مواطن العلة بعد استفراغ الجهد والنظر في كلام أهل العلم.

الطالب الذي بدأ والذي درس قواعد المصطلح بشكل جيد وهضمها، وتعرف على كيفية استخراج الأحاديث من بطون الكتب، واستخراج الكلام على الرجال يحتاج إلى ذلك أن يكون عنده نظر في كتب النقد الحديثي، سواء للقدامى كما في علل ابن أبي حاتم وعلل الدارقطني وهي مليئة.. يعني مثلاً يأتي بأحاديث ظاهرها الصحة جدًّا ويتكلم على تعليلها ويبين أن فيها علل سواء الاختلاف في الوصل والإرسال، اختلاف في الوقف والرفع، ونحو ذلك من مواطن العلة، فيقرأ الطالب، يبدأ يقرأ في علل ابن أبي حاتم مثلاً أو في علل الدارقطني أو غيرها من الكتب بعد قراءة الجانب النظري في العلل، وأرشح لذلك أميز كتاب في الأمة وهو كتاب "شرح علل الترمذي" لابن رجب الحنبلي، الحافظ ابن رجب -رحمه الله تعالى- أتى بدرر غوالي في هذا الكتاب، الترمذي -كما نعلم- ختم كتابه الذي هو "السنن" بكتاب "العلل" الذي هو "العلل الصغير" فجاء ابن رجب -رحمه الله تعالى- شرح هذا القدر، وأضاف عليه مثله، يعني شرح القدر اليسير من كتاب "العلل" للترمذي يقع في حوالي تسعة وخمسين صفحة، شرحهم في مجلد وأضاف مجلدًا آخر في الكلام على أصول العلل، هذا الكتاب الطالب يحفظه كما يحفظ الفاتحة، لماذا؟

لأنه في الجزء الثاني من الكتاب ذكر الثقات الذين يخطئون في رواة معينين، هو الراوي ثقة، لكن فيه فلان بعينه من المشايخ يغلط، والثقات الذين يخطئون في بلاد معينة، يقول لك مثلاً: فلان إذا روى عن أهل بلده فهو ثقة، وإذا روى عن غير أهل بلده فلا يحتج به، فيبقى فيه راوي يغلط إذا خرج من بلده، قالوا مثلاً هشام بن عروة لما نزل العراق وكان ينزل للتجارة، فكان يجتمع عليه طلبة الحديث وأبوه عروة، وعروة يروي عن خالته عائشة، يعني سند عالي جدًّا غاية في المهارة، يعني تشرئب إليه أنظار وأعناق طلبة العلم، فكانوا يطلبون من هشام أن يحدثهم إذا نزل بالعراق، وكان يحدث من حفظه، الرجل ذاهب ليتاجر ما هو ذاهب ليحدث، فكل ما حدث به هشام في العراق فيه نظر، هذه قواعد يذكرها أهل العلم.

عبد الرزاق مثلاً إمام أهل اليمن، وهو شيخ أحمد وابن معين ودارت عليه أسانيد اليمن، يعني آل علم اليمن كله إلى عبد الرزاق، ومع ذلك فعبد الرزاق عَمِيَ سنة مائتين، وكان يعتمد على الكتابة، فإذا حدث من حفظه بعد العمى فقد وقعت الأوهام في روايته، فلا يعتد بمرويات عبد الرزاق بعد العمى، وإن كان الراوي عن عبد الرزاق جبلا في الحفظ، ولو كان الإمام أحمد، ولم يحصل أن أحمد روى عن عبد الرزاق بعد العمى، لكن حتى ولو كان الإمام أحمد... وأحمد جبل في الحفظ، وإمام إليه المنتهى في التثبت، وعبد الرزاق إمام ثقة ثبت، ومع ذلك الذي روى عن عبد الرزاق وهو بهذه المثابة والمنزلة بعد العمى فحديثه لا يقبل، فيقولون هناك أخطاء للثقات، كأن يخطئ في راوي بعينه في بلد بعينه، في وقت بعينه، كأن يصيبه عمى، يصيبه اختلاط أو غير ذلك، فهذه من مداخل العلة، هذه من مداخل العلل ومن مواطن التعليل.

أيضًا الثقات يتفاوتون، مراتب الثقات تتفاوت، فمثلاً نحن قلنا في الدرس الماضي: إن عندنا إسماعيل بن مسعود ثقة، وخالد بن الحارث ثقة، فهل بينهما تفاوت كما رأينا؟ نعم، خالد بن الحارث قال فيه أحمد ويحيى بن سعيد القطان: إليه المنتهى في التثبت في البصرة، طيب يعني حديثه مقبول في الدرجة العليا من القبول، وإسماعيل بن مسعود الجحدري أيضًا حديثه مقبول، ومع ذلك الاثنين ثقات لكن بين خالد بن الحارث وبين إسماعيل بن مسعود أيضًا تفاوت في درجة التوثق؟

فباب العلل هذا بحر متلاطم الأمواج لا يدخل فيه إلا من تأهل، تأهل يعني انتهى من دراسة القواعد النظرية، كتب المصطلح لا غنى أبدًا عن أن الإنسان يدرس كتب المتأخرين كالنخبة وشروحها، ومقدمة ابن الصلاح وشروحها، والنكت عليها ونظمها وشروح النظم، هذه جهود علماء ما ينبغي أن تهدر ولا يلتفت إلى من يقول إن هذه الكتب طولت الطريق على الدارسين، نعم ليست هي الغاية في الدرس الحديثي، لكن لا بد منها في التأصيل والتأسيس لبناء طالب علم، فإذا انتهى من هذه الدرجة -درجة البناء- فليدخل على التطبيق، يدخل على التطبيق يهتدي بكلام الأئمة، أئمة العلل، فيدرس وينظر في كتب العلل التي للأقدمين وينظر في الدراسات النقدية التي للمعاصرين، مع نوع من الاحتياط ونوع من عدم التعصب، فعندنا بفضل الله -تعالى- في الأمة والله تعالى لا يُخَلِّ الأرض من قائم له بحجة، عندنا ولله الحمد قدر من العلماء وطلبة العلم والمشايخ الذين لهم عناية بعلم العلل في العالم الإسلامي فعندنا مثلاً في مصر الشيخ محمد عمرو، وأخونا الشيخ طارق عوض الله -حفظه الله- والشيخ أبو إسحاق له اهتمام بهذا الجانب لكن غير موجود كتصنيف، أو كدروس منشورة لا يوجد شيء من ذلك مع عناية الشيخ بهذا الباب وله شرح على علل ابن أبي حاتم، لم يطبع منه شيء إلى الآن، وعندنا الشيخ الشريف حاتم العوني صاحب "المنهج المقترح لدرس المصطلح" ودراسته الماجستير التي هي "التدليس وعلاقته بالإرسال الخفي"، الشيخ عبد الله السعد، سليمان العلوان، الْمِلِباري طبعًا من هؤلاء المشاهير الذين لهم دراية ودربة وتمرس ونوع من معرفة النقد الحديثي، مثل هذه الجهود التي هي موجودة لعلماء العصر ولهم بها عناية ولهم بها تمرس ولهم كتابات موجودة، تقرأ هذه الكتابات، مع نوع من التحفظ في بعض الكتب التي صدرت فيها لهجة قوية قاسية على كتابات المتأخرين، فكما قلت إن كلام المتأخرين كلام لا يستغنى عنه في بناء الطالب من الناحية النظرية، فإذا انتهى الطالب من هذه المرحلة لا يقف عندها، يجب أن يرجع وأن ينظر في مناهج أئمة العلم في العلل، وينظر في كتابات المعاصرين التي تعتبر كالكشاف إلى هدايته إلى معرفة أنفاس المتقدمين في النظر لعلم الحديث، هذه هي الطريقة التي يمكن أن يرتقي بها الطالب في دراسته لهذا العلم الشريف.

ننظر في صفحة 202 في الكتب التي يستعان بها في كشف العلة والشذوذ.

(الكتب التي يُستعان بها في كشف العلة والشذوذ: هناك كتب صنفها العلماء لبيان علل الحديث، وتعرف هذه الكتب بكتب العلل، وطريقة كتب العلل هي ذكر الأحاديث المعلولة مع بيان عللها، وذلك بذكر طرقها وكشف العلة من خلال جمع الطرق واستعراضها).

(جمع الطرق واستعراضه) كلمة ثلاثة أسطر، أما ما وراءها من جهد، فهذا أمر تبذل فيه الأوقات والمهج والأرواح؛ لأن هذا أمر ليس بالسهل، (جمع الطرق) يعني لن تترك الحديث في كتاب من كتب السنة إلا وأسانيده أمامك، هذا الحديث منثور في عشرات الكتب، منثور في الأجزاء الحديثية، في كتب التفاسير والتواريخ وغيرها، في كتب التراجم كتب السؤالات كتب العلل، تستخرج هذا كله وتضعه أمامك على الطاولة لتنظر في مسألة كشف العلة.

(وذلك مثل كتاب "علل الحديث" لابن أبي حاتم، وهو مرتب على الأبواب، وكتاب "العلل" للدارقطني، وهو مرتب على المسانيد).

من العجب العجاب الذي لا ينقضي عجبك وأنت تسمع، أن الدارقطني -رحمه الله تعالى- لم يؤلف كتاب "العلل" ما ألفه، إنما أملاه على طلابه، كان تلامذة الدارقطني يسألون وهو يجيب، سبحان الله العظيم، إذا فتحت أي مسند من مسانيد الصحابة ترى كلام الدارقطني الحد الأدنى من الطرق التي يوردها في الحديث الواحد ثمانية طرق، الحد الأدنى أن يأتي بثمانية طرق من حفظه لا تضطرب عليه الأسانيد ولا يذكر راوي مكان راوي، ولا يختلف عليه الأمر، ولا يتشابه عليه المسائل، وإضافة إلى ذلك كلامه على الطرق، أن هذا ورد مرسلا، وهذا ورد متصلا، وهذا ورد موقوفا، وهذا ورد مرفوعا، والراجح كذا، وترجيحه كذا... هذا الكلام يدل على إمامة عالية ما جاء بعد الدارقطني في هذا الباب مثله، يعني أغلق هذا الباب على من جاء بعده.

(وقد يَنهَج بعض المؤلفين في العلل نهجًا آخر، فتراه يذكر أن فلانًا لم يسمع من فلان، أو أن حديث فلان عن فلان منقطع؛ لأنه لم يلقه، وذلك كالإمام أحمد في كتابه "العلل ومعرفة الرجال" فهذه الكتب يمكن الاستعانة بها في كشف علل الحديث، لكن هل صنف العلماء كتبًا خاصة في معرفة الأحاديث الشاذة؟ والجواب عن ذلك: أن العلماء لم يصنفوا مثل هذه المؤلفات، والله أعلم).

الشذوذ نوع من العلة، الشذوذ ماذا يعني؟ الشذوذ معناه أن الراوي ثقة وقد خالف من هو أوثق منه، فالثقة إذا خالف الثقات.. يعني مثلاً حديث (فَرَضَ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- زكاة الفطر صاعًا من تمر أو صاعًا من أقط، أو صاعا من شعير على كل ذكر أو حر، عبد أو أنثى من المسلمين) لفظة (من المسلمين) زادها مالك، وعامة أصحاب الزهري الذين رووا عنه هذا الحديث لم يأتوا بهذه الزيادة، ففريق من أهل العلم يقول: إن مالك -رحمه الله تعالى- خولف وكلام الجماعة يترجح عليه، طيب كلام الجماعة يترجح عليه، هل الترجيح إذا خالف الراوي بالغلبة يعني بالكثرة، من أجل أن مالك وحده والمخالفون له خمسة أو ستة من تلامذة الزهري، يكون بالكثرة، يعني ستة على واحد يعني، أم أن المسألة تخضع لعوامل ومرجحات عند أهل العلم؟ لا.. تخضع لعوامل ومرجحات؛ لأن الفريق المخالف فيهم سفيان ابن عيينة، وسفيان ابن عيينة ومالك في حديث الزهري فرسا رهان؛ بمعنى: أنهما مختلفان، عندما يختلف مالك وسفيان في الزهري كلام من الذي يقدم؟ بلا شك أن مالكا يقدم؛ لأنهم حصروا أخطاء مالك على الزهري فوجدوها أربعة، وحصروا أخطاء سفيان بن عيينة على الزهري فوجدوا عشرين خطأ، فمالك مقدم، لكن على أية حال لا يزال سفيان بن عيينة موجودا، يعني أيضًا فارس من فرسان حديث الزهري، فإذا انضم إلى سفيان بن عيينة أمثال عقيل وخالد الأيلي ويونس وغيرهم من الذين لازموا الزهري مثل ملازمة مالك، إذا اختلفوا فتقدم رواية الجماعة على رواية مالك، ويقال: إن مالك شذ في زيادة (من المسلمين) وإن كان الحافظ العراقي في النكت على ابن الصلاح يرى أن مالكا لم ينفرد بهذه الزيادة، وتابعه فيها غيره.

فالمقصود من ذلك أن الثقة إذا خالف الثقات يبقى حديثه أو زيادته شاذة، واضح؟ فيقال كما قال العراقي -رحمه الله تعالى- في الألفية:

 

"وذو الشذوذ ما يخالف الثقة ** فيه الملا فالشافعي حققه"

يعني الثقة إذا خالف الملأ أو الجماعة من تلامذة الشيخ الذي أخطأ عليه، فتقدم رواية الجماعة على رواية الفرد، هذا معنى الشذوذ، فالشذوذ أحد مواطن العلة، نوع من أنواع العلة، وإن جعله العلماء نوعًا مستقلاً من شروط الحديث الصحيح.

(لكن الشذوذ قبل ظهوره هو نوع من العلل، ولذلك كثيرًا ما يعلل الأئمة بعض الأحاديث بأن فلانًا روى الحديث على وجه مخالف للأول، وهو أثبت وأوثق منه، والحقيقة أن المعلَّلَ أعم من الشاذ، فالشذوذ نوع من العلل كالاضطراب والقلب والله أعلم.

وهذه أشهر المصنفات في العلل: أولاً: "علل الحديث" لابن أبي حاتم).

ولابن عبد الهادي -رحمه الله تعالى- تلميذ شيخ الإسلام ابن تيمية شرح كان بدأه على علل الحديث ولم يتمه، طبع منه مجلد واحد فقط.

(ثانيًا: "العلل ومعرفة الرجال" لأحمد بن حنبل.

ثالثًا: "العلل لابن المديني").

القدر الموجود من علل ابن المديني قطعة لا تزيد على مثلاً خمسة وعشرين لوحا التي حققها القلعجي قديمًا، والشيخ محمد مصطفى الأعظمي، الذي هو القدر الموجود من العلل ومعرفة الرجال لابن المديني هذا لا يمثل واحدا على عشرين أو ثلاثين من الكتاب الأصلي، هذا القدر الذي وجد.

طبعًا ضف إلى ذلك مثلاً كتاب "التمييز" لمسلم، كتاب "التمييز" للإمام مسلم كتاب علل من الدرجة الأولى، وأضف مثلاً "علل الترمذي" الصغير والكبير، الترمذي له عللين: صغير، وكبير، الذي هو ترتيب أبو طالب، وأكبرها على الإطلاق هو كتاب العلل الواردة في الأحاديث النبوية للدارقطني، ومما يفيد في الكلام كتب العلل المعاصرة خاصة رسائل الماجستير والدكتوراه في الجامعات الإسلامية خاصة جامعة الأردن، قاموا بجهد مشكور ولهم اهتمام بالدراسات النقدية، فطبع منها: "منهج البخاري في التعليل" لأبو بكر كافي بإشراف المليباري، الدكتور حمزة بن عبد الله، و"الوهم في رواية مختلف الأمصار" لعبد الكريم الوريكات، وهذه الدراسات المعاصرة التي أسهمت بنوع جيد في طرق كشف العلة، وبيان العلل ونوعها، وإبراهيم بن الصديق له مجلدان كبيران على العلل الواقعين في كتابي "الوهم والإيهام" لابن القطان، الكتاب مطبوع في مجلدين، و"أجناس العلة" لمصطفى باجو، كتاب في مجلد جيد له جهد مشكور في جمع مسالك العلة عند الأئمة النقاد، والكتب التي تكلمت على الصحيحين ككتب الدارقطني وأبو علي الجياني، وغيرها من الكتب، هذه مما تسهم أيضًا وتضيف إضافات جيدة، إضافة إلى كل كتب الشيخ حمزة بن عبد الله المليباري، التي هي الحديث المعلول، وله أيضًا خمسة أو ستة كتب التصحيح عند ابن الصلاح ، وأيضًا له كتاب في علوم الحديث في ضوء تطبيقات الأئمة النقاد وغيره من الكتب الموجودة للشيخ حمزة وهي كثيرة، كتب -كما قلت- الشيخ العوني، حاتم العوني أيضًا كتاباته جيدة، ولها إسهام جيد في كشف العلة وبيانها، وتُوقِف الطالب على طريق الطلب بشكل جيد ورائع، كل هذه الأمور، الإرشادات لطارق عوض الله من أجل مسألة المتابعات والشواهد، كل هذه القضايا والمسائل تسهم في بناء الطالب في التذوق، تنقله نقلة من الجانب النظري الذي يعمل فيه منذ سنين، إلى نوع من الممارسة والتطبيق وغيره من المسائل. بعد الكلام على الشذوذ والعلة نرجع لكلامنا مرة أخرى على كلام الشيخ الطحان على الحديث الذي ذكرناه، وهو حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده.

صفحة كم يا شيخ؟.

نرجع إلى 198.

(الحكم على هذا الحديث).

الذي هو حديث النسائي الذي هو من رواية إسماعيل بن مسعود عن خالد بن الحارث عن حسين المعلم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. نعم.

(الحكم على هذا الحديث، المقصود بالحكم على الحديث: بيان مرتبته من الصحة أو الحسن أو الضعف أو الوضع، وذلك بعد دراسة إسناده على الوجه الذي سبق آنفًا، أما بالنسبة للحكم على هذا الحديث الذي درسنا إسناده فهو كما يلي:

أولاً: أن رجال الإسناد الستة كلهم ثقات، أي عدول ضابطون، يعني أن رجال الإسناد رجال الصحيح، وإن كان بعضهم وهما "عمرو بن شعيب" وأبوه "شعيب" ليسا من أعلا رجال الصحيح بل هما من أدنى رجال الصحيح.

ثانيًا: إن سند الحديث متصل وإن كان فيه شوب انقطاع في عنعنة شعيب عن جده عبد الله بن عمرو).

ذلك لأن شعيب مذكور في الطبقة الثانية من طبقات المدلسين، هو ثابت السماع نعم، شعيب كفله جده، وتربى في حجره؛ لأن أباه محمد مات وهو صغير وهو ثابت السماع من جده في "مستدرك الحاكم" وفي "سنن أبي داود" وغيرهما، لكن سماعه منه قليل يعني الأحاديث التي رواها شعيب عن جده عبد الله بن عمرو ليست بالكثرة التي ترشح لقبول مروياته إذا عنعن، وهو هنا قد عنعن، أن أباه حدثه عن عبد الله بن عمرو بن العاص.

(ثالثًا: لم يظهر لي في حدود اطلاعي شذوذ أو علة في سند هذا الحديث أو متنه.

مما تقدم أقول: إن الحديث صحيح لكن ليس في قمة أنواع الصحيح، وإنما هو من أدنى مراتب الصحيح أو هو من أعلى مراتب الحسن، والله أعلم.

هذا: وقد روى الحديث غير النسائي الإمام أحمد في مسنده، وأبو داود في سننه وسكت عنه، ومعلوم أن ما سكت عنه أبو داود فهو صالح للاحتجاج على المعتزلة).

هذه أيضًا فيها نظر (ما سكت عنه أبو داود فهو صالح للاحتجاج) لا بالعكس فيه أبحاث خرجت وكلام لكثير من أهل العلم أن المسكوت عنه عند أبي داود فيه ضعيف كثير.

(وقد قال الذهبي: الحسن أيضًا على مراتب فأعلى مراتبه. بهز بن حكيم عن أبيه عن جده).

هو بهز بن حكيم بن معاوية بن حيدة القشيري عن أبيه عن جده. وهذا الكلام ذكره الذهبي -رحمه الله تعالى- في "الموقظة" هذه المراتب يعني يذكر يقول: الصحيح مراتب فأعلاها فلان عن فلان عن فلان، والحسن مراتب أعلاها بهز بن حكيم بن معاوية بن حيدة عن أبيه عن جده، وعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وابن إسحاق عن التيمي وأمثال ذلك مما قيل منه صحيح.

(وعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وابن إسحاق عن التيمي، وأمثال ذلك مما قيل إنه صحيح وهو من أدنى مراتب الصحيح.

استحسان اكتفاء الباحث في الإسناد بقوله: صحيح الإسناد، أو حسن الإسناد، أو ضعيف الإسناد، مر بنا أن كشف العلة والشذوذ في الحديث نفيًا أو إثباتًا أمر صعب جدًّا لا يقوى عليه كل باحث أو مشتغل بالحديث، لكن يستحسن في حق الباحث في الأسانيد أن يقول في نهاية بحثه عن مرتبة الحديث صحيح الإسناد، أو حسن الإسناد، أو ضعيف الإسناد، ولا يتعجل فيقول: صحيح أو حسن أو ضعيف).

يعني نحن في الأزمنة المتأخرة هذه الأزمنة التي نعيش فيها التي بينها وبين السلف الذين كانت لهم عناية فائقة بدرس الحديث، مسألة الاستقلال بالتصحيح والتضعيف ابن الصلاح له عليها كلام أن يغلق باب التصحيح والتضعيف في الأعصار المتأخرة وابن الصلاح أين؟ في ستمائة وأربعين، يعني في القرن السابع، فإذا كنا في هذا الزمان نحن نجتهد في أن نفهم؛ لأن معظم الدراسات الحديثية الموجودة في الجامعات الغالب أعم الغالب في الدراسات الحديثية أن الطالب يخرج الحديث على اللفظ، يعني تخريجه في رسالته العلمية سواء ماجستير أو دكتوراه ما هو إلا عزو لمواضع الحديث في الكتب، وهذا لا يسمى استخراجًا ولا يسمى تخريجًا ولا بحثًا علميًّا، ولا يصل الطالب إلى التمكن ولو عاش عمر نوح -عليه السلام- فإن نصيحتي للطالب إذا خَرَّجَ الحديث، إذا خَرَّجَ ليكون مخرجًّا لا يكون إلا باحثًا عن الطرق فالناس تُخَرِّج على طرق الحديث، وليس على ألفاظه، لماذا؟ لأن على الألفاظ معناه أنه مهتم بهذه اللفظة فقط من خَرَّجَها، كون الإسناد فيه حيات وعقارب هذه مسألة لا تعني، إنما المراد في الدرس الحديثي هو النظر في أحوال الأسانيد وأحوال الرواة الذين ذكروا في هذا الإسناد، فمسألة التخريج على اللفظ لا قيمة لها في الزمن الحاضر، خاصة عند وجود الحاسب الآلي، أنا بضغطة زر أستطيع أن أُخَرِّج لفظة حديث من عشرين ثلاثين كتاب، ماذا بقي على الطالب المتخصص الذي هو في قسم السنة في قسم الحديث، بقي عليه أن يجمع هذه الطرق، وينظر في مواطن الالتقاء ومواطن الاختلاف وكشف العلة ونحو ذلك حتى يفهم، يعني الذي نبغيه الآن في الجامعات لا أن يحكم الطالب على الحديث بل أن يفهم كلام أهل العلم، لأن مسألة أن يستقل بحكم وما هو داري عن شيء أساسًا، معظم طلبة الماجستير -إلا من رحم- لا يستطيع أن يستقل بالحكم على حديث، فغايته أن يفهم، إن فهم يكون هذا شيئًا جيدًا؛ لأن المقصود في الرسائل أنها تمرين للطالب، يعني أنا لن آخذ كلام طالب في ماجستير ودكتوراه لأعمل به في الحكم على حديث صحةً أو ضعفًا، هذا محتاج يجلس عشرين سنة يُخَرِّج وينظر في الطرق والأسانيد، ويقرأ في علل، ويشمم أنفاس أهل العلم حتى يستقل بالحكم، إنما الذي نريد أن يكون الطالب المتخرج الذي حمل رسالة دكتوراه في قسم الحديث يكون أهلا للفهم؛ لأن الطالب غاية همه أنه ما أن يسجل إلا ويريد أن يناقش، في سنة ماجستير وفي سنتين دكتوراه، فمشغول بإعداد البحث، ويرى نفسه باحثا، ويفوته وتقع منه مسائل كثيرة جدًّا فيتخرج وما فهم شيئًا، فلم الاستعجال، تفرغ سنة أو سنتين وتدرب وانظر، لن تستطيع مسك الكتاب بعد التخرج، يعني بعد الدكتوراه هذه والانشغالات والتدريس شمالا ويمينا، هذه هي مرحلتك التي تدرس فيها هي التي تستطيع أن تتعلم وأنت متفرغ للبحث، فلا تتعجل، انظر تعلم؛ لأن كثيرا من المتخرجين لا يفهمون شيئا، وتقعد تتكلم في باب العلل كأنك تتكلم في ألف ليلة وليلة، يعني تتكلم في قصة مختلفة تماما لا تجد من يفهمك فضلاً عن أن يتجاوب معك في قضية الدرس الحديثي فيما يتعلق بباب العلل، فنصيحة لإخواننا الدارسين في مراحل الماجستير والدكتوراه أو الطلبة المتفرغين لا يتعجلوا، يصبر ويشمم أنفاس أهل العلم حتى يتأهل لذلك.

(لأنه بالنسبة لقوله عن الحديث صحيح أو حسن، ربما يوجد حديث آخر يعارضه في معناه، وسنده أقوى فيكون الحديث الذي حكم عليه بالصحة شاذًا، أو ربما اكتشف في الحديث علة غامضة، لم يستطع الباحث اكتشافه).

أقول هذا الكلام يعني تقوية قلوب إخوانا الدارسين أنت فقط عليك أن تفهم كلام أهل العلم، وأنا أجزم جزمًا يقينيًّا أنه ما من حديث في كتب السنة إلا وللأئمة عليه كلام، إما مباشرة، وإما بالكلام على رواة هذا الحديث، لكن هذا إنما يُكتشف مع الصبر، لن تعدم فائدة وكلامًا لأهل العلم إلا بالصبر فالذي يعلل الآن ويصل إلى كشف علة في الحديث، كيف يكتشفها؟ في المنام أو بالتخمين؟!! هو بالقرائن الموجودة في كلام أهل العلم، فأنت اصبر في البحث، ولن تعدم كلامًا لأهل العلم الكبار في القرن الثاني والثالث، الذين ذكرناهم على السبورة أكثر من مرة، لن تعدم لأحدهم كلامًا على الحديث، إما مباشرة بتصحيحه أو تضعيفه، وإما على الراوي الذي روى هذا الحديث بتجريحه أو بتوثيقه، فانقل كلام أهل العلم لكن بتأني.

(وبالنسبة لقوله عن الحديث ضعيف ربما وجد له تابع أو شاهد يقويه، ويجبره فيرتقي إلى مرتبة الحسن لغيره.

فالأولى في حق الباحث إذن أن يقول في نهاية بحثه عن الحديث: صحيح الإسناد، أو حسن الإسناد، أو ضعيف الإسناد).

نعم.. الموضة الموجودة الآن في الكتب التي حدث فيها طفرة قوية جدًّا في الصحوة المعاصرة، أن كثير من الطلبة يكونون في سن الطلب يعني سنه ثلاثين سنة مثلاً، ويعمل على تخريج أحاديث كتاب أو جزء حديثي أو نحو ذلك، من أول وهلة ومن أول مؤلف يقول: صحيح، حسن، ضعيف، صحيح لغيره، حسن لغيره، ويظل يسجل أحكاما لماذا؟ فالشيخ يقول هنا تأن ولا تحكم ولا تستقل بالحكم على الحديث، ولكن قل صحيح الإسناد، ضعيف الإسناد، حسن الإسناد؛ لماذا؟ لعلك بعد فترة من الزمن تعيد النظر في كتابك فتجد للحديث طرقًا لم تقف عليها أثناء بحثك، أو تكتشف في الحديث علة، أو كنت ضعفت الحديث فوجدت له بعد ذلك تابعًا قويًّا فيقوي الحديث أو شاهد يقويه، إلى غير ذلك من وسائل المراجعات التي يرجع فيها أهل العلم أخذًا ونظرًا خاصة وأن هذا علم لا تجد من يوقفك على وسائل تعلمه مرحلة مرحلة، فالشيخ هنا يقول: إن الطالب لا يجزم بتصحيح أو تضعيف بل يقول: صحيح الإسناد، حسن الإسناد، ضعيف الإسناد ونحو ذلك، حتى يتسنى له الرجوع بعد ذلك فيحكم على الحديث قطعيًّا بالصحة أو بالضعف، لكن الموجود في هوامش الكتب هذا فيه من الخطأ الكثير جدًّا.

(وقد فعل هذا كثير من الأئمة السابقين منهم: الحاكم أبو عبد الله، والحافظ الهيثمي في "مجمع الزوائد" وغيرهما، والظاهر أن الوقت لم يسعفهم ليكملوا النظر في كشف الشذوذ والعلة، فتحرجوا من القول بأنه صحيح أو حسن).

الذي نعرفه أن الحافظ الهيثمي كان زوج بنت الحافظ العراقي، ولازمه أكثر من عشر سنوات، وهو الذي سافر بالولي العراقي أحمد الذي هو أبو زرعة بن الحافظ العراقي سافر به إلى دمشق ليسمع من الْمِزِّي وعلماء الشام في ذلك الزمان، فتخيل مثلاً الهيثمي كان ملازما عشر سنوات أو أكثر وهو زوج بنته، يعني ظل يدخل ويخرج عليه في كل وقت بلا تحرج، ومع ذلك كان يسعه أن يقول: صحيح، نعم الهيثمي عنده تساهلات كثيرة في الحكم على الأسانيد، لماذا؟ لأن الجهد الذي بذله الهيثمي في "مجمع الزوائد" جهد جبار، يعني عشرة مجلدات فيه ما يزيد على العشرة آلاف رواية، فلا بد أن يقع الوهم وإن كان هذه المدرسة وهذه الفترة الزمنية، الفترة التي كان فيها الهيثمي ومن قبله بقرن أو قرنين وما بعدهم ليس فيها مبرزين، يعني في علم العلل في ذلك الزمان، إذا استثنينا مثلاً الحافظ ابن حجر والسخاوي لأن لهم اهتماما بهذا الباب، والحافظ ابن رجب، لكن على أية حال الاحتياط واجب، والطالب لا يتجاسر على الحكم على الأحاديث صحة وضعفًا، وهو بعد لم يتأهل، كثير من المعاصرين الذين ألفوا ندموا على أنهم أخرجوا كتبهم قبل تحريرها، هو يحتاج إلى أن يرجع، ويحتاج إلى أن يعيد النظر، إذا سألت الشيخ عن ما قاله على حديث كذا في كتاب كذا.. يقول هذا والله هذا أنا راجع عنه، يعني أحتاج إلى إعادة نظر في الكتاب كله، لماذا؟ لأنه كان ساعتها الشيخ أخرج هذا الكتاب وله من السن ثلاثين سنة أو أقل أو أكثر، وبعد عشرين سنة من النظر والتأمل رأى أن هذا الكلام ما كان ينبغي أن يخرج أصلاً، ولا أقول هذا الكلام من باب أن الناس تكف عن الدرس.. لا، ولكن مع التأني والصبر وعدم التعجل.

(وقد قال علماء المصطلح: إن المحدث إذا قال عن حديث إنه صحيح الإسناد، أو حسن الإسناد دون قوله صحيح أو حسن، قال ابن الصلاح: قولهم: هذا حديث صحيح الإسناد، أو حسن الإسناد دون قولهم: هذا حديث صحيح، أو حديث حسن).

(صحيح أو حسن) معناه أنه فصل في القضية، أما (صحيح الإسناد) يعني الإسناد الذي أمامي أو الأسانيد التي وقفت عليها، يعني لو قلت صحيح معناها أنك فحصت جميع الأسانيد، ونظرت في جميع الرواة، ونظرت في مواطن العلة فلم تجد علة، وكل ما يطرأ على ذهنك من احتمال التعليل أنت دفعته بشيء في الأسانيد التي أمامك، فإذا قلت: صحيح معناها أنك أغلقت الباب، يعني نظرت واستوعبت البحث ولم تجد شيئًا تعلل به الحديث.

(لأنه قد يقال هذا حديث صحيح الإسناد، ولا يصح، لكونه شاذًّا أو معللاً، غير أن المصنف المعتمد منهم إذا اقتصر على قوله: إنه صحيح الإسناد ولم يذكر له علة، ولم يقدح فيه، فالظاهر منه الحكم له بأنه صحيح في نفسه؛ لأن عدم العلة والقادح هو الأصل والظاهر، والله أعلم).

هذا مما تتجاذب فيه أقوال أهل العلم في مسألة أن العلة والقادح عدم العلة والقادح هو الأصل والظاهر، هذه مسألة فيها أخذ ورد بين أهل العلم.

(مثال آخر ليس في الكتب الستة: هذا مثال آخر لدراسة الإسناد، اخترته من غير الكتب الستة، ليتدرب الباحث على إخراج بعض التراجم من الكتب التي لم تترجم لرجال الكتب الستة، هذا المثال من سنن الدارقطني وهو: قال الدارقطني: حدثنا عبد الله بن محمد بن سعيد الجَمَّال قال: حدثنا هاشم بن الجنيد، أبو صالح، قال: حدثنا عبد المجيد بن أبي رواد قال: حدثنا مروان بن سالم عن الكلبي عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (إنما هلكت بنو إسرائيل حين حدث فيهم المولَّدون أبناء سبايا الأمم، فوضعوا الرأي فضلوا)).

يقول: (إنما هلكت بنو إسرائيل حين حدث فيهم المولدون أبناء سبابا الأمم، فوضعوا الرأي فضلوا) معنى الحديث على وجه الإجمال: (إنما هلكت بنو إسرائيل حين حدث فيهم المولدون أبناء السبايا) السبايا الذين هم أسيرات الحرب، وصاروا ملك يمين، وأنجبوا منهم أولادا كثيرة، فضلت بني إسرائيل حين كثر فيهم هذا، فوضعوا الرأي يعني عملوا برأيهم وتركوا الشريعة المنزلة، فضلوا.

نكتب الإسناد وننظر في كيفية النظر لكن اقرأ لي فقط الخمسة أسطر هذه التي قبل الكلام على الأسانيد، ثم نرجع إلى السبورة -إن شاء الله- (كيفية إخراج التراجم).

يريد أن يقول مثلاً الدارقطني أنزل يعني الإمام الدارقطني -رحمه الله تعالى- توفي سنة ثلاثمائة وخمسة وثمانين هجريًّا، وأصحاب الكتب الستة بينهم وبين الدارقطني قرابة خمسة وثمانين سنة، ففيه هنا مرحلة زمنية فيها رواة ليسوا في رجال الكتب الستة، يعني ليسوا في "تهذيب الكمال" ولا في أصوله، ولا في فروعه، فالذي يترجم للشيخ الدارقطني الذي هو عبد الله بن محمد بن سعيد الجَمَّال هذا ليس موجودا لا في "تقريب التهذيب" ولا في "الكاشف" ولا في "تهذيب الكمال" ولا في متعلقات الكتب الستة، فلا بد من النظر في شيء آخر، فيقول: (حدثنا عبد الله بن محمد بن سعيد الجَمَّال) طب الجَمَّال هذا الدارقطني عراقي، كان من دار القطن، وهي محلة في بغداد، وعادة أن شيخه حدثه في الأعم الغالب، يعني أنت تستخدم القرائن، تنظر الأول مثلاً للدارقطني عراقي بغدادي فمن الممكن أن يكون الشيخ هذا أيضًا بغداديًّا وله ترجمة في تاريخ بغداد، طيب إذا لم أجد الحديث في تاريخ بغداد؟ نقول مثلاً الدارقطني رحل وسمع الحديث من شيخ دمشقي فننظر في تاريخ دمشق، فتبدأ تنظر في كتب أخرى تستخدم القرائن لتعيين الكتاب الذي ستنظر فيه لترجمة الراوي، فتقول مثلاً: ننظر في تاريخ بغداد فتنظر في فهرس الكتاب فتجد الراوي، أو في تاريخ دمشق فتنظر فتجد الراوي، وهكذا، أقصد يعني أن هذا المثال الموجود معنا رواته من تحت، يعني من عند الإمام المصنف ليسوا في الكتب الستة، فعند التخريج لهم، عند الترجمة لهم لن نرجع إلى الكتب المشهورة التي هي في رواة الكتب الستة، وإنما سننظر في طرق أخرى للوقوف على هذه التراجم.

(كيفية إخراج التراجم لهذا الإسناد: ننظر أولاً إلى مؤلف السنن، وهو الدارقطني فنرى أنه ولد سنة ست وثلاثمائة للهجرة، وتوفي سنة خمس وثمانين وثلاثمائة للهجرة، إذن هو متأخر في الزمن، فليس في شيوخه المباشرين راو من رجال الكتب الستة، فعلينا أن نبحث عن مصدر آخر للتراجم فننظر إلى منطقة الدارقطني فنرى أنه من محلة في بغداد تسمى دار القطن، فهو بغدادي إذن، فيغلب على الظن أن يكون شيخه المباشر من بغداد، ونحن نعلم أن للخطيب البغدادي كتابًا كبيرًا في تراجم محدثي بغداد وعلمائها وأعيانها، وهو تاريخ بغداد فنتناوله، ونراجع فيه في حرف العين فيمن اسمه عبد الله لنرى عبد الله بن محمد بن سعيد الجَمَّال فنجده في المجلد العاشر صفحة مائة وعشرين.

أولاً: عبد الله بن محمد بن سعيد الجَمَّال، قال الخطيب أبو محمد المقرئ المعروف بابن الجَمَّال، وقال الخطيب: أخبرنا محمد بن علي بن الفتح قال: سمعت أبا الحسن الدارقطني ذكر أبا محمد بن الجَمَّال فقال: كان من الثقات، ثم روى أنه مات سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة للهجرة).

الدارقطني -رحمه الله تعالى- روى عن الجَمَّال ووثقه، فالخطيب نقل عن محمد بن علي بن الفتح قال: سمعت أبا الحسن الذي هو عمر بن علي الدارقطني -رحمه الله- ذكر هذا الراوي الذي هو عبد الله بن محمد بن الجَمَّال فقال: كان من الثقات، وأنه مات سنة كذا، أضاف عليه سنة الوفاة، فهذا راوي ثقة.

أستأذنكم يا شيخ أن نكمل في الحلقة القادمة.

بالنسبة لسؤال الحلقة السابقة كان: اذكر أهم الخطوات التي يجب أن نتتبعها لدراسة الإسناد؟

بسم الله الرحمن الرحيم، من أهم الخطوات التي يجب أن نتتبعها لدراسة الإسناد أولاً: تعيين الرواة، أي من هو الراوي بالضبط، ثم نبحث في تراجم رجال الإسناد لمعرفة ما قاله علماء الجرح والتعديل، فإن كان من رجال الكتب الستة فنبحث عنه في كتاب الكمال لأسماء الرجال للحافظ الْمَقْدِسِيّ.

دعك من "الكمال" فإنه غير مطبوع، اعتن بـ"تهذيب الكمال" دائما.

في "تهذيب الكمال" للحافظ المزي، أو "تذهيب التهذيب" أو "الكاشف" وكلاهما للحافظ الذهبي، أو "تهذيب التهذيب" أو "تقريب التهذيب" وكلاهما للحافظ ابن حجر -رحمه الله تعالى.

ثم إن كان البحث عن اتصال السند وذلك بالنظر إلى صيغ التحمل، وهي أخبرنا أو حدثنا، وهما من أعلى صيغ التحمل، ثم ننظر إن كان الحديث فيه عنعنة فننظر إلى حال الراوي فإن كان مدلسًا فلا يُقبل حديثه، وإن كان ثقة فنقبل حديثه.

رجال التدليس قلنا: إن الحافظ ابن حجر -رحمه الله تعالى- جعلهم طبقات، فقبل الأئمة رواة الطبقة الأولى والثانية، من عند الثالثة لهم فيها شرط إن تحقق يقبل، إن لم يتحقق لا يقبل، الرابعة والخامسة تترك، فتكون الأولى والثانية مقبولة، والرابعة والخامسة مرفوضة، والثالث بشرط، إن تحقق قبل الذي هو إن الراوي، إن الوليد بن مسلم مثلاً يدلس تدليس التسوية، فإذا صرح بالسماع في جميع طبقات الإسناد التي فوق؛ يعني الأوزاعي وفوق الأوزاعي إلى الصحابي، إذا صرح بالتحديث في جميع الطبقات فنقبل حديثه، طبقة فيها عنعنة يعني حتى وإن كانت في غير شيخه، هذا لا يقبل.

بعد أن نظرنا إلى الراوي إن كان في الكتب الستة فنذهب إلى الكتب التي ذكرناها، فإن لم يكن من رجال كتب الستة فننظر إلى كتب التراجم العامة، وهي مثل "التاريخ الكبير" للإمام البخاري -رحمه الله تعالى- ثم ننظر بعد ذلك إلى الشذوذ والعلة وحضرتك -حفظك الله- تكلمت في الشذوذ والعلة، وجزاكم الله خيرً.

أسئلة هذه المحاضرة.

تكلم عن الشذوذ والعلة؟ واذكر أهم مصنفات العلل؟ وطريقة الاستفادة منها؟